المبادرة الليبرالية بين القبول الحزبي والتحفظ المجتمعي
لارا علي العتوم
06-05-2026 04:03 PM
تشهد المملكة إعادة تشكّل تدريجي للمشهد السياسي والحزبي، تتداخل فيها اعتبارات الإصلاح والتحديث مع الحفاظ على الاستقرار والهوية الوطنية.
وبظل تزايد الحاجة إلى حوار سياسي وفكري هادئ يتيح إدارة الاختلاف ضمن إطار ديمقراطي يحترم التعددية ويعزز المشاركة الوطنية الجامعة، وفي ظل التحولات التي رافقت مشروع التحديث السياسي وإعادة تشكيل الحياة الحزبية، تصاعد بشكل ملحوظ الحديث عن المبادرة الليبرالية، ولا سيما أن العديد من المبادرات الجديدة لفتت الأنظار بتبنّي خطاب يدافع عن الحريات الفردية وسيادة القانون ويرفض خطاب التخوين والإقصاء.
وذلك لا يعكس بالضرورة ولادة حركة جماهيرية واسعة بقدر ما يشير إلى بروز خطاب سياسي وإعلامي أكثر وضوحاً حول قضايا الحريات العامة والدولة المدنية، وحرية التعبير، والإصلاح المؤسسي، وهي قضايا تحتل مساحة متقدمة في العمل السياسي والحزبي وحتى في النقاش العام بين الأحزاب والنخب السياسية والثقافية. فلا تبتعد مطالبات أو مبادئ المبادرة عن مبادئ العديد من الأحزاب، إذ إن تعزيز الحريات السياسية والمدنية يُعدّ جزءاً أساسياً من عملية الإصلاح والتحديث التي تسعى الدولة إلى ترسيخها ضمن إطار دستوري ومؤسساتي يحافظ على الاستقرار والتوازن المجتمعي.
ولا سيما أن قوانين الأحزاب والانتخاب ومسار التحديث السياسي عززت من توجه الأحزاب نحو إعادة تنظيم نفسها وتطوير خطابها السياسي بما يتلاءم مع مرحلة تتطلب حضوراً أكبر للأحزاب البرامجية القادرة على مخاطبة هموم المواطنين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بعيداً عن الاستقطابات الحادة، حتى ان بعضها يسعى إلى تقديم نفسه كحزب برامجي حديث يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية التقليدية والتركيز على القضايا الاقتصادية والتنموية والإدارية.
فتفاوت تعامل الأحزاب الأردنية مع المبادرة الليبرالية بدرجات متفاوتة من القبول والتحفظ، فالأحزاب ذات التوجه المدني أو الوسطي أكثر انفتاحاً على الأفكار الليبرالية المعتدلة، لا سيما في ما يتعلق بتطوير الحياة الديمقراطية وتوسيع المشاركة السياسية وتعزيز مفهوم الدولة المدنية القائمة على المواطنة وسيادة القانون وتُبدي بعض الأحزاب المحافظة والإسلامية تحفظاً واضحاً تجاه الخطاب الليبرالي، خاصة عندما يرتبط بمفاهيم تُفسَّر على أنها دعوة إلى فصل الدين عن المجال العام باعتبار أن الحفاظ على الهوية الثقافية والقيم الاجتماعية يمثل أولوية لا تقل أهمية عن الإصلاح السياسي، وتتعامل بعض الاحزاب معها بمنظور عملي وبراغماتي يقوم على قبول التعددية السياسية والفكرية ضمن إطار القانون والدستور، أما موقف الرأي العام غير المنتمي لاي حزب او مبادرة، من المبادرة الليبرالية، منقسم بين من يعتبرها مدخلاً لتوسيع الحريات وتعزيز الإصلاح السياسي وبين من ينظر إليها كمفهوم مستورد لا ينسجم بالكامل مع طبيعة المجتمع الأردني
وهذا التباين لم يمنع دخول المبادرة الليبرالية في سجالات فكرية وسياسية ترى في بعض طروحاتها ابتعاداً عن الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمع الأردني، الأمر الذي يفسّر استمرار الجدل حول حدود الحريات وطبيعة الدولة المدنية المُرادة ليبرالياً ودور المرجعيات الثقافية والدينية في المجال العام، وقد يزداد الجدل مع اختلاف تعريف المبادرة الليبرالية لذاتها، فهل هى ارتباط بالحريات الفردية وحرية التعبير، أو ارتباط بالاقتصاد الحر أو بالعلمانية وفصل الدين عن الدولة.
ورغم هذا وذاك، فإن السجال يُعتبر مؤشراً على حيوية الحياة السياسية في المملكة، متى التزمت الأطراف بالحوار والقانون واحترام خصوصية المجتمع، بما يعزز التعددية والتنافس الفكري، ليبقى النجاح مرتبطاً بالقدرة على تقديم حلول واقعية لقضايا المواطنين وتعزيز الاستقرار، وترسيخ التعددية الوطنية وليس بالاسماء والمسميات، إذ أن نجاح أي حزب او مبادرة ليبرالية كانت أم غيرها، يظل مرهوناً بالقدرة على التكيّف مع خصوصية المجتمع الأردني وتقديم حلول عملية تتجاوز الشعارات والاصطفافات الفكرية.
حمى الله أمتنا- حمى الله الأردن.
الدستور