مجالس أمناء الجامعات: التعيين حق قانوني لكن الشفافية حق عام
هيلدا عجيلات
31-08-2026 05:59 PM
مع كل إعلان عن تشكيل مجالس أمناء الجامعات الرسمية في الأردن، يتجه الاهتمام إلى الأسماء: من تم اختياره؟ ومن غاب؟ ومن عاد؟ لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يسبق ذلك كله هو: على أي أساس تم اختيار أعضاء هذه المجالس؟
هذا السؤال لا ينطلق من التشكيك في كفاءة الأشخاص، ولا من الاعتراض على مبدأ التعيين، وإنما من طبيعة الدور الذي أصبحت تؤديه مجالس الأمناء. فهي ليست مجالس تشريفية أو تمثيلية، بل إحدى حلقات الحوكمة الأساسية في الجامعة، وتشارك في رسم السياسات والاستراتيجيات ومتابعة الأداء والإشراف على قضايا تتصل بالقيادات والموارد ومستقبل المؤسسة.
صحيح أن القانون يحدد إطار تشكيل مجالس الأمناء وصلاحياتها، لكن الالتزام بالنص القانوني لا يعني بالضرورة اكتمال متطلبات الحوكمة. فهناك فرق بين أن يكون التعيين قانونياً، وبين أن تكون عملية الاختيار نفسها موضوعية وشفافة وقابلة للتفسير والمساءلة.
وهنا تبرز أسئلة مشروعة: ما المعايير التي يتم على أساسها اختيار الأعضاء؟ ما الكفاءات التي تحتاجها كل جامعة تحديداً؟ هل توجد مصفوفة واضحة للخبرات المطلوبة؟ وكيف يتم التعامل مع تضارب المصالح؟ وهل تخضع مجالس الأمناء وأعضاؤها لأي تقييم دوري؟
هذه ليست أسئلة أردنية فقط. فالتجارب الدولية، رغم اختلاف أنظمتها القانونية والجامعية، تتجه إلى تعزيز استقلالية مجالس الجامعات مع ربطها بالمساءلة والشفافية، وإلى تنويع خبراتها بما يتناسب مع احتياجات المؤسسة. ففي كندا واليابان والبرتغال، على سبيل المثال، برزت أهمية إشراك أعضاء ذوي خبرات خارجية، وتعزيز العلاقة بين الجامعة والمجتمع، وتوسيع قاعدة الخبرات التي تشارك في الحوكمة. لكن الهدف ليس استنساخ هذه النماذج، بل الاستفادة من مبادئها بما يتناسب مع الخصوصية الأردنية.
وفي هذا السياق، من المهم التفكير بجدية في الاستفادة من الأساتذة الأكاديميين المتقاعدين ممن يمتلكون سجلاً متميزاً في التعليم العالي والبحث العلمي والإدارة الجامعية. فالتقاعد لا يعني انتهاء القيمة المهنية؛ إذ يمتلك بعض هؤلاء خبرات تراكمية في إدارة الجامعات والكليات، وتطوير البرامج الأكاديمية، وإدارة مراكز البحث والمشاريع العلمية، وبناء الشراكات، ومعرفة عميقة بتحديات التعليم العالي. ويمكن لهذه الخبرات أن تضيف بعداً مؤسسياً مهماً إلى مجالس الأمناء، شريطة أن يكون الاختيار قائماً على الكفاءة والخبرة والاستقلالية، لا على الأقدمية أو الصفة الأكاديمية وحدها.
وبالمثل، تحتاج مجالس الأمناء إلى تنوع حقيقي في الخبرات: المالية والقانونية والإدارية والتكنولوجية والاستثمارية، فضلاً عن الخبرة في سوق العمل والقطاع الخاص والبحث العلمي. فالجامعة التي تواجه تحديات مالية تحتاج إلى خبرات مالية، والتي تسعى إلى تطوير البحث العلمي تحتاج إلى خبرة بحثية، والتي تريد ربط مخرجاتها بسوق العمل تحتاج إلى من يفهم احتياجات الاقتصاد والمهارات المستقبلية.
لذلك، ربما آن الأوان للانتقال من قائمة أسماء إلى مصفوفة كفاءات؛ بحيث تحدد احتياجات كل جامعة أولاً، ثم يتم اختيار الأشخاص القادرين على سد هذه الاحتياجات. ويمكن أن يشمل ذلك معايير معلنة للعضوية، والإفصاح عن المؤهلات والخبرات، وفحص تضارب المصالح، وتقييم أداء المجلس وأعضائه بصورة دورية.
لا يعني ذلك تحويل التعيين إلى انتخابات أو مسابقة عامة، ولا الانتقاص من صلاحيات الدولة، وإنما جعل عملية الاختيار أكثر مهنية ووضوحاً، بحيث يستطيع صاحب القرار أن يجيب عن سؤال بسيط: لماذا كان هذا الشخص هو الأنسب لهذا الموقع؟
فالجامعات الأردنية تواجه اليوم تحديات كبيرة، من الاستدامة المالية وجودة التعليم والبحث العلمي، إلى مواءمة التخصصات مع سوق العمل والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والمنافسة الإقليمية والدولية. وفي ظل هذه التحديات، تحتاج الجامعات إلى مجالس أمناء قادرة على قراءة الأرقام، وفهم المخاطر، وطرح الأسئلة الصعبة، ومساءلة الإدارة، واتخاذ القرارات باستقلالية ومسؤولية.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يتحول النقاش حول مجالس الأمناء إلى تقييم للأشخاص أو الأسماء، بل إلى نقاش حول النظام الذي يختارهم. فالثقة بالمؤسسات لا تُبنى بمجرد إعلان القرارات، وإنما بشفافية المعايير التي تقف خلفها.
ولعل السؤال الذي يجب أن يرافق كل تشكيل جديد لمجالس أمناء الجامعات هو: ليس فقط من تم تعيينه، بل لماذا تم اختياره، وما القيمة التي سيضيفها إلى الجامعة؟
فالحوكمة الحقيقية تبدأ عندما ننتقل من ثقافة اختيار الأشخاص إلى اختيار الكفاءات، ومن إعلان النتيجة إلى شفافية الطريق الذي أوصل إليها!