وصلة الاتفاق الأمريكي – الإيراني والإسرائيلي: إلى أين تسير المنطقة؟
السفير د. موفق العجلوني
20-06-2026 02:56 PM
بين سلام معجل ام صراع موءجل
تعيش منطقة الشرق الأوسط لحظة سياسية فارقة، مع الإعلان عن مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية التي فتحت باب التهدئة بعد مرحلة من التصعيد العسكري غير المسبوق. وبينما تنظر بعض العواصم إلى هذه المذكرة باعتبارها بداية مسار جديد نحو الاستقرار، يرى آخرون أنها مجرد هدنة مؤقتة لإدارة الصراع وتأجيل انفجاره، لا لإنهائه.
في هذا المشهد المتشابك، تتجه الأنظار إلى الأسابيع / الستين يوماً المقبلة باعتبارها فترة اختبار حقيقية للنوايا الأمريكية والإيرانية، ولقدرة الإدارة الأمريكية على ضبط الحليف الإسرائيلي، وخاصة في ظل السياسات العدوانية التي يتبناها بنيامين نتنياهو، والعلاقة المعقدة التي تربطه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
أولاً: ماذا تعني مهلة الستين يوماً؟
لا يبدو أن مذكرة التفاهم الحالية تمثل اتفاقاً نهائياً بقدر ما تمثل وقفاً مؤقتاً للمواجهة العسكرية وفتح نافذة تفاوضية جديدة.
فالملفات الجوهرية ما زالت معلقة، وأبرزها:
البرنامج النووي الإيراني.
العقوبات الاقتصادية.
الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
النفوذ الإيراني الإقليمي.
مستقبل القوى الحليفة لإيران في المنطقة.
وبالتالي فإن الستين يوماً المقبلة ليست فترة سلام بقدر ما هي فترة اختبار سياسي وأمني، يسعى خلالها كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
ثانياً: لماذا قبلت واشنطن وطهران بهذه الصيغة؟
يدرك الرىيس ترامب أن الحرب المفتوحة مع إيران تحمل كلفة سياسية واقتصادية كبيرة، خصوصاً في ظل وجود تيارات داخل الحزب الجمهوري وقاعدته الشعبية ترفض الانخراط في حروب طويلة ومكلفة.
كما أن واشنطن تحتاج إلى استقرار الملاحة الدولية وأسواق الطاقة، وتجنب أي صدمة نفطية قد تؤثر على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
في المقابل، خرجت إيران من المواجهة وهي تواجه ضغوطاً عسكرية واقتصادية كبيرة، وتحتاج إلى فترة لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء قدراتها الدفاعية والصاروخية.
ومن هنا تبدو المذكرة وكأنها استراحة استراتيجية للطرفين أكثر من كونها تسوية نهائية.
ثالثاً : إذا كانت واشنطن وطهران تنظران إلى الاتفاق كنافذة لاحتواء الأزمة، فإن إسرائيل تنظر إليه بعين الريبة. فبنيامين نتنياهو بنى مشروعه السياسي طوال سنوات على اعتبار إيران التهديد الوجودي الأول لإسرائيل، وأي تفاهم أمريكي – إيراني يعني عملياً تراجع أولوية الخيار العسكري الذي دافع عنه باستمرار. لذلك تبدو إسرائيل الطرف الأقل حماساً للاتفاق، والأكثر استعداداً لإفشاله أو الالتفاف عليه.
وقد يجد نتنياهو نفسه أمام معادلة صعبة:
القبول المؤقت بالتفاهم تحت ضغط واشنطن.
أو السعي إلى خلق وقائع ميدانية جديدة تعيد التوتر إلى الواجهة.
رابعاً: العلاقة بين ترامب ونتنياهو
رغم التحالف الاستراتيجي العميق بين الرجلين، فإن العلاقة بينهما لا تقوم دائماً على التطابق الكامل في المصالح.
ترامب ينظر إلى الاتفاق المحتمل باعتباره إنجازاً سياسياً ودبلوماسياً يمكن تسويقه داخلياً وخارجياً. أما نتنياهو فينظر إليه باعتباره تنازلاً يمنح إيران فرصة لإعادة تنظيم نفسها.
ومن هنا قد نشهد خلال الفترة المقبلة خلافات غير معلنة بين واشنطن وتل أبيب حول حدود التهدئة وآليات تنفيذها. لكن ذلك لا يعني حدوث قطيعة، بل صراعاً داخل التحالف نفسه حول إدارة المرحلة المقبلة.
خامساً: ماذا بعد الستين يوماً؟
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: اتفاق شامل ، وهو السيناريو الأكثر تفاؤلاً. يقوم على نجاح المفاوضات في التوصل إلى:
قيود جديدة على البرنامج النووي.
تخفيف تدريجي للعقوبات.
ترتيبات أمنية إقليمية.
تهدئة طويلة الأمد.
غير أن فرص هذا السيناريو تبقى محدودة بسبب تعقيد الملفات المطروحة.
السيناريو الثاني: تمديد المفاوضات ، وهو السيناريو الأكثر واقعية. فقد يتفق الطرفان على تمديد المهلة لعدة أشهر إضافية، مع استمرار وقف التصعيد. هذا الخيار يمنح الجميع فرصة لكسب الوقت دون العودة إلى الحرب.
السيناريو الثالث: انهيار التفاهم وهو السيناريو الأخطر. فأي حادث أمني أو عمل عسكري إسرائيلي أو تصعيد من أحد الأطراف قد يؤدي إلى انهيار المفاوضات وعودة المنطقة إلى دائرة المواجهة.
سادساً: انعكاسات الاتفاق على دول الخليج العربية . تمثل دول الخليج المستفيد الأكبر من أي تهدئة أمريكية – إيرانية. فالاستقرار في مضيق هرمز يعني:
حماية صادرات النفط.
استقرار أسعار الطاقة.
جذب الاستثمارات.
تقليل احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة.
لكن دول الخليج العربي تدرك أيضاً أن الاتفاق المؤقت لا يلغي جذور الصراع، بل يؤجلها.
ولذلك ستواصل سياسات التنويع الأمني وبناء الشراكات الإقليمية والدولية تحسباً لأي انتكاسة مستقبلية.
سابعاً: انعكاساته على فلسطين
تبقى القضية الفلسطينية الحلقة الأكثر غموضاً. فالمذكرة لا تتناول بشكل مباشر الحرب في غزة أو مستقبل التسوية السياسية.
كما أن حكومة نتنياهو لا تبدي استعداداً حقيقياً لإنهاء الحرب أو تقديم تنازلات سياسية جوهرية.
وعليه فإن الفلسطينيين قد لا يلمسون نتائج إيجابية مباشرة للاتفاق، بل قد تستمر سياسة إدارة الأزمة بدلاً من حلها.
ثامناً: لبنان... الحلقة الأضعف
يبدو لبنان الأكثر عرضة للمخاطر. فحتى لو تم الإعلان عن وقف إطلاق نار، فإن الواقع الميداني يشير إلى استمرار عوامل التوتر:
الوجود العسكري الإسرائيلي في بعض المناطق الحدودية.
هشاشة الوضع الداخلي اللبناني.
ارتباط الملف اللبناني بالتفاوض الأمريكي – الإيراني.
ولذلك فإن لبنان قد يتحول إلى ساحة اختبار لأي تفاهم أو خلاف بين واشنطن وطهران وتل أبيب.
يبدوا ان الوقائع الحالية لا تشير إلى ولادة سلام دائم في الشرق الأوسط، بل إلى هدنة مؤقتة تحاول إدارة الصراع بدلاً من حسمه. فالستون يوماً المقبلة ستكشف ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية تاريخية أم نحو جولة جديدة من المواجهة المؤجلة.
يبدو ان الوقائع الحالية لا تشير إلى ولادة سلام دائم في الشرق الأوسط، بل إلى هدنة مؤقتة تحاول إدارة الصراع بدلاً من حسمه. فالستون يوماً المقبلة ستكشف ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية تاريخية أم نحو جولة جديدة من المواجهة المؤجلة.
وبين الرغبة الأمريكية في احتواء الأزمة، وحاجة إيران إلى إعادة ترتيب أوراقها، وإصرار نتنياهو على إبقاء منطق القوة العسكرية حاضراً في المشهد، تبقى بوصلة المنطقة معلقة بين خيارين: سلام ناقص لم تكتمل شروطه بعد، أو صراع مؤجل ينتظر لحظة الانفجار القادمة.
وفي الحالتين، فإن الخليج وفلسطين ولبنان سيبقون في قلب معادلة التحولات الكبرى التي يعاد رسمها اليوم في الشرق الأوسط.
ومن المفارقات السياسية أن التفاهم الأمريكي–الإيراني المحتمل قد يدفع بما كان يُعرف بمجلس أو مسار السلام الخاص بقطاع غزة إلى هامش الأولويات الدولية. فالإدارة الأمريكية باتت منشغلة بمنع انفجار إقليمي واسع يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، وهو ما يجعل احتواء إيران وترتيب قواعد الاشتباك معها أكثر إلحاحاً من البحث في تسوية سياسية شاملة للقضية الفلسطينية.
وفي المقابل، قد يجد بنيامين نتنياهو في هذا التحول فرصة للهروب من استحقاقات أي مسار سياسي يتعلق بغزة أو الدولة الفلسطينية، عبر إعادة توجيه الاهتمام نحو الملف الإيراني والمخاطر الأمنية الإقليمية. وهكذا تصبح غزة، مرة أخرى، ضحية لتبدل الأولويات الدولية، حيث يتقدم الأمن الإقليمي على حساب الحل السياسي.
لذلك فإن نجاح الاتفاق الأمريكي–الإيراني لا يعني بالضرورة اقتراب السلام في فلسطين، بل قد يقود إلى نتيجة معاكسة تتمثل في تهميش ملف غزة مؤقتاً، ما لم تنجح الأطراف العربية والمجتمع الدولي في إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة السياسية.
فالتاريخ أثبت أن أي ترتيبات أمنية في المنطقة لا تكتمل ولا تستقر ما دامت القضية الفلسطينية خارج إطار الحل العادل والدائم.
ومن زاوية أوسع، فإن التفاهم الأمريكي – الإيراني، إن كُتب له الاستمرار، قد يفتح الباب أمام إعادة هندسة المشهد الإقليمي بأكمله، لكن هذه الهندسة ستبقى منقوصة إذا اقتصرت على ترتيبات الأمن والنفوذ وتوزيع الأدوار بين القوى الإقليمية والدولية. فالمعادلة التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية أثبتت أن تجاهل القضية الفلسطينية لا يلغيها، بل يعيد إنتاجها بأشكال أكثر تعقيداً وكلفة.
لقد جُرّبت اتفاقات السلام المنفردة، وجُرّبت سياسات الاحتواء، وجُرّبت مقاربات إدارة الأزمات، لكن أياً منها لم ينجح في إغلاق ملف الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي أو منعه من العودة إلى واجهة الأحداث الدولية. ولذلك فإن الرهان على أن التهدئة مع إيران أو إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية يمكن أن توفر استقراراً دائماً دون حل عادل للقضية الفلسطينية يبقى رهاناً محفوفاً بالمخاطر.
والأهم من ذلك أن الولايات المتحدة، إذا أرادت فعلاً أن تُسجل إنجازاً تاريخياً يتجاوز حدود التفاهمات المؤقتة، فعليها أن تترجم نفوذها السياسي والعسكري والدبلوماسي إلى ضغط حقيقي يضع جميع الأطراف أمام استحقاقات السلام، لا أن تكتفي بإدارة التوازن بين الحلفاء والخصوم. فالقوة الأمريكية كانت دائماً العامل الحاسم في إطلاق أو تعطيل مسارات التسوية، وهي وحدها القادرة على تحويل فكرة الدولة الفلسطينية من شعار سياسي متكرر إلى مشروع قابل للتحقق.
أما المجتمع الدولي، الذي بدا خلال السنوات الأخيرة عاجزاً عن فرض رؤيته أو حماية قراراته، فهو مطالب باستعادة دوره في حماية الشرعية الدولية ومبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. فقيام الدولة الفلسطينية ليس منّة من أحد، بل استحقاق سياسي وقانوني وأخلاقي تأخر كثيراً.
وفي نهاية المطاف، قد تنجح واشنطن في إبرام تفاهم مع طهران، وقد ينجح ترامب في تسجيل اختراق دبلوماسي جديد، وقد ينجو نتنياهو مؤقتاً من أزماته السياسية الداخلية، لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً أمام العالم هو:
هل اقترب الشرق الأوسط من السلام فعلاً، أم أنه أعاد ترتيب أولوياته الأمنية بينما ترك جوهر الصراع دون حل؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت السنوات المقبلة ستشهد ولادة شرق أوسط أكثر استقراراً، أم مجرد هدنة جديدة في سلسلة طويلة من الهدن المؤقتة. أما البوصلة الحقيقية للسلام فستظل تشير إلى فلسطين، لأن الدولة الفلسطينية ليست فقط حقاً وطنياً لشعبها، بل شرطاً أساسياً لاستقرار إقليمي طال انتظاره.
ولعل التحدي الأكبر أمام الولايات المتحدة لا يكمن في التوصل إلى تفاهمات أمنية مع إيران أو في إدارة التوازنات الإقليمية الجديدة، بل في إثبات أن مفهوم السلام الذي تتبناه لا يقتصر على منع الحروب بين الدول، وإنما يشمل أيضاً معالجة جذور الصراعات المزمنة التي أنتجت عدم الاستقرار لعقود طويلة.
فالعالم اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف الأمن في الشرق الأوسط. فالأمن لا يتحقق فقط بحماية الممرات البحرية أو بمنع الانتشار النووي أو بضبط الصواريخ والمسيرات، وإنما أيضاً بإنهاء أطول قضية احتلال وصراع سياسي في المنطقة. وأي مقاربة تتجاهل هذه الحقيقة ستبقى ناقصة مهما حققت من نجاحات مؤقتة.
إن المطلوب من واشنطن والعواصم المؤثرة دولياً ألا تسمح بتحول غزة إلى مجرد ملف إنساني أو إغاثي، وألا تختزل القضية الفلسطينية في إدارة الأزمات وتقديم المساعدات وإعادة الإعمار. فجوهر القضية سياسي ووطني بالدرجة الأولى، ويتعلق بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة والعيش بحرية وكرامة وأمن.
وفي هذا السياق، فإن الدول العربية مطالبة أيضاً بالانتقال من سياسة الدفاع عن القضية الفلسطينية إلى سياسة المبادرة لفرض حضورها على جدول الأعمال الدولي، من خلال بناء تحالفات سياسية ودبلوماسية واقتصادية تجعل من حل الدولتين مصلحة دولية وإقليمية مشتركة، لا مجرد مطلب فلسطيني أو عربي.
أما الفلسطينيون أنفسهم، فإن مسؤوليتهم التاريخية تقتضي استعادة الوحدة الوطنية وبناء مشروع سياسي جامع قادر على مخاطبة العالم بلغة المصالح والقانون الدولي والشرعية الدولية، لأن الانقسام الداخلي كان ولا يزال أحد أهم الأسباب التي سمحت بتراجع القضية الفلسطينية على أجندة القوى الكبرى.
وعليه، فإن السؤال الذي سيواجه المنطقة بعد انتهاء مهلة الستين يوماً لن يكون فقط:
هل نجح الاتفاق الأمريكي – الإيراني أم فشل؟ بل سيكون أيضاً: هل استطاع العالم استثمار لحظة التهدئة لإطلاق مسار سلام حقيقي يعالج أصل الأزمة في فلسطين، أم أنه اكتفى بإدارة صراع جديد وترك جذور الصراع الأكبر تنمو بصمت؟
فالتاريخ يعلمنا أن السلام الذي يُبنى على التوازنات المؤقتة قد يصمد سنوات، أما السلام الذي يُبنى على العدالة والحقوق المشروعة فهو وحده القادر على البقاء. ومن هنا، ستبقى الدولة الفلسطينية المستقلة الاختبار الحقيقي لأي مشروع سلام يُراد له أن ينجح في الشرق الأوسط، مهما تعددت الاتفاقات وتبدلت التحالفات وتغيرت الأولويات الدولية .