حين يغيب الضمير… يحضر القانون
محمد نور الدباس
07-07-2026 11:42 PM
القانون ليس ترفًا تنظيميًا، ولا مجرد نصوص تُعلّق على جدران المؤسسات أو تُحفظ في دفاتر التشريعات، بل هو في جوهره، استجابةٌ لحاجة الإنسان إلى ضبط القوة، وحماية الحق، ومنع تحوّل المصالح إلى أدوات افتراس، لكنه يصبح أكثر حضورًا وإلحاحًا كلما تراجعت الأخلاق في المجتمع، وكلما غابت العدالة عن المؤسسات.
في المجتمعات التي تحكمها منظومة أخلاقية حية، لا يحتاج الناس إلى شرطي عند كل زاوية، ولا إلى عقدٍ تفصيلي في كل تعامل، ولا إلى نصٍّ عقابي خلف كل واجب، فالأمانة تُمارس لأنها قيمة، والوفاء يُصان لأنه شرف، واحترام حقوق الآخرين يُعدّ سلوكًا طبيعيًا لا منّة فيه ولا خوفًا من عقوبة، هناك وفي هذه البيئة تحديداً يكون القانون ضمانةً أخيرة، لا وسيلةً وحيدة لضبط السلوك.
أما حين تضعف الأخلاق، ويصبح الكذب مهارة، والتحايل ذكاءً، واستغلال الضعف نوعًا من الفطنة، واستقواء من يملك السلطة، فإن القانون يتحول إلى ضرورة اجتماعية لا غنى عنها، لا لأن القانون قادر وحده على صناعة مجتمع فاضل، بل لأنه يضع حدودًا لما لا ينبغي أن يُترك للهوى والمصلحة والقدرة على الإيذاء، فالقانون لا يزرع الضمير، لكنه يمنع غيابه من أن يتحول إلى فوضى.
والأمر ذاته ينطبق على المؤسسات والشركات وبيئات العمل، فالمؤسسة التي تتأسس على العدالة لا تحتاج إلى تضخيم الإجراءات كي تُنصف موظفيها أو متلقي خدماتها، فيها تكون المعايير واضحة، والقرارات قابلة للتفسير، والفرص موزعة على أساس الكفاءة، والمساءلة متاحة للجميع، أما حين تصبح العدالة غائبة، أو انتقائية، أو خاضعة للمزاج والعلاقات والنفوذ، فإن القوانين والأنظمة والتعليمات تتحول إلى خط الدفاع الأخير في وجه التعسف.
المشكلة ليست في وجود القواعد القانونية، بل في الحاجة الدائمة إلى الاحتماء بها، فكلما اضطر الموظف إلى الرجوع إلى النص لإثبات حق بديهي، أو احتاج المواطن إلى تقديم شكوى ليحصل على معاملة منصفة، أو لجأ الضعيف إلى القضاء ليمنع اعتداءً كان يفترض أن يردعه الضمير، فهذا يعني أن شيئًا أعمق من الإجراء قد اختل.
ولا يمكن لمجتمع أن يكتفي بالأخلاق ويستغني عن القانون؛ فالبشر يختلفون، والمصالح تتعارض، والسلطة تحتاج دائمًا إلى حدود، كما لا يمكن لمؤسسة أن تستبدل العدالة بالأنظمة؛ لأن كثرة الإجراءات لا تعني بالضرورة نزاهة القرار، وقد تتحول القواعد القانونية نفسها إلى أدوات لإخفاء التمييز أو تبرير الظلم.
والقانون العادل لا ينافس الأخلاق، بل يحميها حين تضعف، والعدالة المؤسسية لا تلغي الحاجة إلى الأنظمة والتعليمات، بل تمنحها روحها ومعناها، لذلك فإن قوة المجتمعات لا تُقاس بعدد قوانينها فقط، بل بمدى حاجتها إلى إنفاذها بالقوة، وقوة المؤسسات لا تُقاس بسماكة أدلتها الإجرائية، بل بقدرتها على اتخاذ قرار عادل قبل أن يطالب أحد بالنص.
وحين يكون الضمير حاضرًا، يصبح القانون حارسًا، وحين تغيب العدالة، يصبح القانون ملجأً، وبين الحارس والملجأ فرقٌ كبير؛ فالأول يحمي مجتمعاً ناضجاً، والثاني ينقذ مجتمعاً أو مؤسسةً من نتائج اختلالها.