الاستاذ حسين الرواشدة .. والثقة التي تحمي الدولة
د. يوسف عبيدالله خريسات
16-07-2026 11:08 AM
يحمل ما كتبه الأستاذ حسين الرواشدة جملة من الأسئلة التي تستحق التوقف عندها ليس لأن الحسابات المجهولة أصبحت فاعلًا جديدًا في المجال العام فحسب وإنما لأنها كشفت عن تحولات في علاقة المواطن بالمعلومة وبالمؤسسة الرسمية. وقد أصاب الرواشدة حين أعاد التذكير بأن حماية الدولة واجب وطني وأن معركة الوعي أصبحت جزءًا من معركة الدولة في زمن الفضاء الرقمي إلا أن هذه المعركة تقوم كذلك على الثقة والثقة تولدها الشفافية وسرعة المعلومة ووضوح الرواية الرسمية.
تواجه الدولة الأردنية حملات تستهدف صورتها وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وصناعة الروايات وتوجيه الرأي العام. وتبقى حماية الدولة واجبًا وطنيًا يتقدم على أي اعتبار غير أن هذه الحماية تبدأ أيضًا من تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته فالثقة تمثل خط الدفاع الأول وهي التي تحدد مدى تأثير أي رواية موازية.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس من يدير الحسابات المجهولة بل لماذا أصبحت قادرة على التأثير؟ فعندما تتأخر المعلومة الرسمية أو تغيب الرواية المقنعة يتسع الفراغ أمام روايات أخرى. وحين يشعر المواطن أن بعض القضايا لا تتحرك إلا بعد أن تصبح قضية رأي عام فإنه يمنح اهتمامه لكل من يقدم معلومة بصرف النظر عن هويته.
الجهات الرقابية في الأردن تؤدي دورًا مهمًا وتقاريرها السنوية تؤكد وجود متابعة ومحاسبة غير أن سرعة التواصل مع الرأي العام أصبحت جزءًا من منظومة الرقابة ذاتها. فالمواطن يريد أن يعرف كيف عولجت المخالفة ومن حوسب وما الذي تغير بعد ذلك لأن إعلان نتائج المعالجة يعزز الثقة ويغلق الباب أمام التأويل.
يكشف التوسع في تفسير كل تسريب باعتباره جزءًا من مؤامرة جانبًا من الإشكالية التي تواجه المجال العام إذ قد يحجب حقيقة أن بعض التسريبات تكشف خللًا إداريًا يستحق المعالجة. وتزداد الدولة قوة عندما تبادر إلى تصحيح الخطأ وتؤكد أن مؤسساتها قادرة على المراجعة والمساءلة.
إن معركة الوعي التي أشار إليها الأستاذ حسين الرواشدة لا تُحسم بالتحذير من وسائل التواصل الاجتماعي وحدها وإنما تُحسم ببناء رواية رسمية سريعة وشفافة ومقنعة وترسيخ ثقافة المساءلة وفتح المجال للنقد المسؤول الذي يميز بين كشف الخلل واستهداف الدولة.
لقد أثبت الأردن عبر عقود أن قوة الدولة كانت في تماسك مؤسساتها ووعي مواطنيها وقدرتها على الإصلاح كلما دعت الحاجة. وتلك هي المعادلة التي تحصن الوطن وتعزز الثقة وتضعف أثر الحسابات المجهولة مهما كانت أهدافها أو الجهات التي تقف وراءها.