قراءة امنية- سياسية في الهدن الأمريكية – الإيرانية
د. عمر الرداد
27-07-2026 01:57 PM
في العمل الاستخباري،لا تُقاس نتائج الصراعات بعدد الصواريخ والقنابل التي تُطلق، بل بمستوى نتاجاتها وتداعياتها اللاحقة، التي تختفي تحت سطح الهدوء، وهو ما يعني ان استمرار الهدن المؤقتة بين امريكا وإيران لا ينبغي تفسيرها فقط بوصفها مؤشراً على اقتراب تسوية سياسية، بل لا بد من ابقاء خيارات من بينها انها محطات انتقالية تمنح الطرفين وقتا لإعادة التموضع والاستعداد لخيارات أكثر حسماً،إذا تعثرت أدوات الردع الحالية،فالهدنة بالمفهوم الاستراتيجي، ليست نهاية الأزمة، بل أداة لإدارة الوقت،لذا فالسؤال الاستخباري هو ليس لماذا يتجنب الطرفان المواجهة الآن، وإنما: ماذا يفعل كل منهما خلال هذه الفترة؟
المؤشرات المتواترة تدل على أن واشنطن وطهران تستخدمان الهدوء لتحقيق أهداف متناقضة، فالولايات المتحدة تعمل على تعزيز انتشارها العسكري، وإعادة بناء منظومات الدفاع الإقليمي، ورفع مستوى التنسيق مع حلفائها، مع الحفاظ على الضغط الاقتصادي والدبلوماسي، وتكثف من تسريبات حول نقص الذخائر والاسلحة،بالمقابل تواصل إيران تطوير قدراتها العسكرية، وتحسين عناصر برنامجها النووي، وترميم شبكات الردع التي تعرضت لاضرار متعددة المستويات، اي لا يوجد تقارب في المصالح، وإنما سباق مع الزمن.
وبمرجعيات تقييم استخبارية لمسار الأزمة فان الحقيقة المؤكدة ان الفجوة بين الطرفين تتسع في ثلاثة مستويات رئيسية، وهي الأول: الأهداف الاستراتيجية،فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الملف النووي باعتباره القضية الوحيدة، بل أصبح جزءاً من منظومة أشمل تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والنفوذ الإقليمي، تتباين اولوياتها لدى واشنطن وحلفائها، خاصة اسرائيل،أما إيران فما زالت تعتبر أن هذه الملفات تقع ضمن سيادتها الوطنية، وترفض إدراجها في أي تفاوض شامل، اي ان هناك اختلافا على تعريف المشكلة يجعل امكانية التوصل الى الحل أكثر تعقيداً، أما الثاني :فهو فجوة الثقة، فقد راكمت العقود الماضية إرثاً كبيراً من الاتفاقات غير المستقرة، والانسحابات المتبادلة، والعمليات السرية، والاغتيالات، والعقوبات، والهجمات غير المباشرة،لذلك، فإن أي تفاهم جديد يواجه أزمة ثقة بنيوية عميقة،تجعل الضمانات السياسية أقل قيمة من موازين القوة العسكرية.
ويتمثل المستوى الثالث في :فجوة الوقت، فمن جانبها تعتقد واشنطن أن مرور الوقت يصب في مصلحة إيران عبر تراكم المعرفة النووية وتحسين القدرات التقنية، بينما تشير تقديرات طهران أن عامل الزمن يرهق امريكا سياسياً واقتصادياً ويزيد من كلفة أي مواجهة مستقبلية، لذا تبدو سياسة الاحتواء الأمريكية أقرب إلى مرحلة مؤقتة منها إلى استراتيجية دائمة، فالاحتواء نجح في منع الحرب الشاملة، لكنه لم يمنع استمرار البرنامج النووي أو تطور القدرات العسكرية الإيرانية أو بقاء شبكة النفوذ الإقليمي،وهنا يطرح سؤال يتكرر داخل العديد من دوائر التفكير الاستراتيجي الغربية: هل استنفذت أدوات الضغط التقليدية حدود فعاليتها؟
الإجابة ليست محسومة، لكن من الواضح أن النقاش حول الخيارات البديلة يتوسع،وليس المقصود بذلك بالضرورة شن حرب واسعة ضد إيران، لأن مثل هذا السيناريو يحمل كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية يصعب تحملها،إلا أن الخيار العسكري في العقيدة الأمريكية لا يقتصر على الحروب الشاملة، بل يشمل أيضاً عمليات محدودة عالية الدقة تستهدف إضعاف القدرات العسكرية والنووية وإعادة فرض معادلة ردع جديدة.
وفي هذا السياق، فإن أي قرار باستخدام القوة سيكون مرتبطاً بعدة عوامل،من بينها تقدير واشنطن بأن الوسائل الدبلوماسية استنفدت أغراضها، أو أن التطورات الميدانية خلقت تهديداً لا يمكن احتواؤه بوسائل أخرى، لذلك فالانتقال إلى عمل عسكري، لن يكون بالضرورة نتيجة رغبة في الحرب، بل سيكون ترجمة لتقييم سياسي وعسكري يتضمن أن كلفة الامتناع عن استخدام القوة أصبحت أعلى من كلفة استخدامها، ومغ ذلك فان لدى إيران أدوات رد تجعل أي مواجهة محدودة قابلة للتوسع، وهو ما يفسر استمرار الحذر الأمريكي حتى الآن، فالتقديرات العسكرية لا تنظر فقط إلى الضربة الأولى، وإنما إلى سلسلة التفاعلات التي قد تعقبها في الإقليم وأسواق الطاقة والملاحة الدولية.
وفي تقديرنا فان الهدوء الحالي قد يكون مضللاً، فالمشهد لا يعكس انحسار الأزمة بقدر ما يعكس انتقالها من مرحلة التصعيد العلني إلى مرحلة إعادة بناء موازين القوى، وغالباً ما تكون هذه المراحل أكثر حساسية لأنها تسبق اتخاذ القرارات الكبرى، ومن المؤكد اننا سنكون امام محطتين بارزتين في ملفات الصراع مع ايران، وهما: لقاء ترامب نتنياهو، والقمة "العسكرية" في لندن لبحث قضية مضيق هرمز، وهما محطتان تستكملان محطة انعقاد قمة الناتو في تركيا مؤخرا، وتدل كل مخرجات هذه المحطات ان واشنطن بصدد اعادة انتاج تحالف دولي لمواجهة ايران، على التحالف الذي تشكل ضد العراق.
وبالتالي فان استمرار الهدن لا يمثل دليلاً على تضييق الفجوة بين واشنطن وطهران، واذا لم يحدث اختراق جوهري في حسابات الطرفين أو في طبيعة الملفات محل الخلاف، وهو سيناريو لا تتوفر عليه مؤشرات حقيقية، فإن احتمالات الانتقال إلى وسائل ضغط أكثر حدة، بما في ذلك خيارات عسكرية واسعة او محدودة، ستظل قائمة ضمن مجموعة السيناريوهات المطروحة، وسيكون تحديد توقيت أو حتمية هذا الخيار مرهوناً بتطورات الميدان والقرارات السياسية، وليس أمراً يمكن الجزم به مسبقاً.