facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




فلسطين التي سكنت الحكايات (1-3)


سارة طالب السهيل
28-07-2026 12:22 AM

حين أفكر في فلسطين التي لم أعشها، أشعر أحيانًا أنني أعرفها أكثر مما أعرف أماكن كثيرة زرتها، ربما؛ لأن فلسطين الحقيقية لم تصل إلينا عبر الكتب وحدها، بل جاءت إلينا في الحكايات، وفي أصوات النساء، وفي تفاصيل صغيرة لا يلتفت إليها المؤرخون، لكنها هي التي تصنع روح الأوطان.

استعنت بذاكرة عدد من سيدات المجتمع الفلسطيني اللائي حملن فلسطين في قلوبهن قبل أن يحملنها في صورهن، وفي مقدمتهن السيدة ناديا الشخشير، كما استحضرت ما روته لي السيدة المرحومة: غادة طه شاهين -رحمها الله- تلك التي كانت تحكي عن الأيام الجميلة، وكأنها ما زالت تعيشها.. وعادت بي الذاكرة إلى طفولتي، حين كنت أستمع إلى صديق والدي: العم (محمد العباسي) "أبو كمال"، ذلك الرجل الأصيل الذي لم يكن يروي الأحداث، بل كان يروي الحياة نفسها، كما أن والدتي كثيرًا ما كانت تنقل إلينا ما سمعته من صديقاتها المقربات من عائلات فلسطينية عريقة؛ فمنهن من تنتمي إلى: (آل أبو غوش)، وكانت تحكي عن كرم البيوت المقدسية، ودفء العلاقات بين الجيران، وأخرى من آل الشريف تستعيد تفاصيل الأعياد، كأنها وقعت بالأمس، بينما كانت سيدة من عائلة (غوشة) تروي بهجة الأسواق،ذكريات متقاربة في تفاصيلها، مختلفة في أصحابها، لكنها جميعًا تلتقي عند حقيقة واحدة أن فلسطين لم تكن مجرد أرض جميلة، بل كانت أسلوب حياة راقٍ، يصعب أن يتكرر.

كانت نابلس تفوح منها رائحة الصابون البلدي، والكنافة، والبيارات القريبة، والبيوت فيها مفتوحة القلوب، قبل أن تكون مفتوحة الأبواب، أما القدس الشريف؛ فكانت تجمع الوقار والروحانية مع حياة اجتماعية نابضة؛ إذ تتجاور الأسواق العتيقة مع البيوت العامرة بالمحبة، وفي يافا، كانت رائحة البحر تختلط بعطر زهر البرتقال، حتى إن الهواء نفسه كان يبدو مختلفًا، بينما كانت حيفا مدينة أنيقة، تعرف النظام والجمال، تجمع بين الميناء والحياة الثقافية، أما اللد؛ فكانت مدينة هادئة، تتشابك فيها العلاقات العائلية، حتى يكاد جميع أهل الحي يعرفون بعضهم معرفة الأقارب.

كانت الحياة في فلسطين تبدأ قبل أن تستيقظ الشمس تمامًا،يسبق النهار صوت الأذان الذي يتردد بين الحارات، وتجاوبه في بعض المدن أجراس الكنائس في مشهد اعتاده الجميع، وكن الأمهات يستيقظن باكرًا، يوقدن النار في الطابون، ويعجن الخبز، وكان عبير القهوة العربية والتركية يملأ أرجاء البيوت، وعلى العتبات تُكنس الأرض بالمكانس المصنوعة من القش، ثم يُرش عليها قليل من الماء؛ فتفوح رائحة الحجر المبتل ممزوجة بالياسمين والنارنج، ويبدأ يوم فلسطيني جديد، بسيط في تفاصيله، عظيم في أثره.

ولم تكن تلك المدن تتشابه في ملامحها العمرانية فحسب، بل كانت تتشابه في نبض الحياة الذي يسري بين أهلها، فما أن يطرق أحدهم باب جاره حتى يفتح الباب قبل أن يكتمل الطرق، وما إن يصل ضيف إلى بيت حتى يشعر أنه واحد من أهله، ولم تكن المجاملة يومئذٍ كلمات تقال، بل كانت أسلوبًا للحياة، والمحبة تمارس بالفعل قبل القول؛ لذلك لم يكن مستغربًا أن تحمل الجارة طبق الطعام إلى جارتها دون موعد، أو أن تتولى إحدى السيدات رعاية أطفال جارتها إذا اضطرتها الظروف، أو أن يشارك أهل الحارة جميعًا في تجهيز بيت عروس جديدة، وكأن ابنتهم هي التي ستزف في تلك الليلة.... يتبع الجزء الثاني

الراي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :