facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين لا تتحول المعرفة إلى سلوك


د. سمير صابر بينو
12-08-2026 01:31 PM

تُعدّ بعض الممارسات المصاحبة للاحتفال بالنجاح والتخرج، مثل إطلاق العيارات النارية وبعض السلوكيات الخطرة أو المخالفة لقواعد السير في مواكب الخريجين، من الظواهر التي يقصد بها التعبير عن الفرح، لكنها قد تخلّف أضراراً ومخاطر جسيمة، وقد تحوّل لحظات الفرح إلى حوادث مؤلمة كان يمكن تجنبها.

وعلى الرغم من التنبيه المتكرر إلى خطورة هذه الممارسات، والجهود التي يبذلها الأمن العام وعدد من الجهات الرسمية والمجتمعية للحد منها، فضلاً عن تناولها سنوياً في وسائل الإعلام وحملات التوعية، فإنها لا تزال تتكرر مع إعلان نتائج الثانوية العامة ومواسم التخرج الجامعي. واستمرارها، رغم وضوح مخاطرها وكثرة التحذير منها، يثير سؤالاً يتجاوز التعامل معها باعتبارها مجرد مخالفات أو سلوكيات اجتماعية غير مقبولة، إلى التساؤل عن مدى تأثير العملية التعليمية في تشكيل سلوك المتعلم.

وتزداد المفارقة وضوحاً في أن بعض هذه الممارسات تحدث بمجرد أن ينهي الطالب مرحلة دراسية ويغادر المؤسسة التعليمية التي أمضى فيها سنوات عديدة؛ ففي اللحظة التي يفترض أن تمثل تتويجاً لما اكتسبه من معرفة ومهارات وقيم واتجاهات، قد يظهر سلوك يتعارض مع ما يفترض أن تكون تلك السنوات قد أسهمت في ترسيخه من مسؤولية وانضباط واحترام للقانون وحقوق الآخرين وسلامتهم.

فالأصل أن تُصمَّم العملية والمنظومة التعليمية بحيث تُحدث أثراً واضحاً في المتعلم ضمن أبعاد مترابطة تشمل المعرفة، والمهارات، والقيم والاتجاهات، والسلوك. وينطلق ذلك من مفهوم التعلم بوصفه عملية تُفضي إلى تغير شبه دائم في معارف الفرد وقدراته واتجاهاته وسلوكه نتيجة التعلم والخبرة والممارسة، وليس مجرد تلقّ للمعلومات أو اجتياز للامتحانات.

وبناءً على ذلك، ينبغي أن تكون نواتج التعلم واضحة وقابلة للملاحظة والتقييم، وأن يظهر أثر العملية التعليمية في نهاية كل مرحلة دراسية من خلال ما أصبح المتعلم يعرفه ويفهمه، وما أصبح قادراً على أدائه وتطبيقه، وما ترسخ لديه من قيم واتجاهات، وما ينعكس من ذلك على سلوكه وممارساته.

ولا يعني ذلك تحميل المؤسسة التعليمية وحدها مسؤولية السلوك؛ فالفرد يتأثر أيضاً بالأسرة والمجتمع والثقافة السائدة والأقران ووسائل الإعلام وفاعلية تطبيق القانون وغيرها من المؤثرات. غير أن تعدد هذه العوامل لا يلغي دور التعليم في الإسهام في تحويل المعرفة والقيم والمبادئ إلى قناعات وممارسات وسلوكيات.

فالمشكلة ليست دائماً في نقص المعرفة. فالطالب يعرف في الغالب أن إطلاق النار قد يصيب إنساناً بريئاً، وأن القيادة الخطرة أو تعطيل الطرق قد يعرضان حياة الآخرين وسلامتهم للخطر. ومع ذلك، فإن معرفة الصواب لا تعني بالضرورة ممارسته، وهنا تظهر فجوة بين ما يعرفه المتعلم وما يفعله، وبين ما يتعلمه وما يتحول فعلياً إلى ممارسة وسلوك.

وهذه الفجوة تستحق أن تكون أحد الجوانب التي يؤخذ بها عند تقييم أثر العملية التعليمية. فنحن نقيس التحصيل الأكاديمي والمعدلات ونسب النجاح بدرجة عالية من الدقة، لكننا لا نقيس بالقدر نفسه مدى إسهام سنوات التعليم في تعزيز المسؤولية والانضباط واحترام القانون والسلامة العامة وحقوق الآخرين.

ولذلك، فإن نجاح التعليم لا ينبغي أن يُقاس فقط بما يحصله الطالب من درجات وما يناله من شهادات، وإنما أيضاً بما يتركه من أثر في طريقة تفكيره، وقيمه، واتجاهاته، وقدرته على اتخاذ القرار المسؤول، وفي السلوك الذي يظهر عندما يغادر أسوار المؤسسة التعليمية ويواجه مواقف الحياة الفعلية.

فالقيمة الحقيقية للتعليم لا تظهر فقط فيما يعرفه الخريج أو في الشهادة التي يحملها، بل أيضاً في الإنسان الذي أسهمت سنوات التعليم في تكوينه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :