السردية الأردنية واستشراف المستقبل
د. سمير صابر بينو
27-08-2026 03:22 PM
قد يكون الرجوع خطوة إلى الوراء ضرورياً للانطلاق إلى الأمام. وهذا ينسجم مع منطق الاستشراف، الذي لا ينظر إلى الماضي بوصفه أحداثاً انتهت، بل يستفيد منه في فهم الأنماط والتحولات التي شكّلت الحاضر، واستخلاص الدروس التي تساعد على استكشاف المستقبل وصنع خيارات أكثر وعياً.
وقد تحجب تفاصيل الأحداث القريبة صورتها الأكبر، بينما تتيح قراءتها في سياقها التاريخي فهم بداياتها، والقوى التي دفعتها، وكيف تطورت. وبذلك تصبح رؤيتنا للحاضر أكثر وضوحاً، وقدرتنا على التعامل مع المستقبل أكثر نضجاً.
وينطبق هذا المعنى على السردية الأردنية؛ فتوثيقها لا ينبغي أن يقتصر على تسجيل الماضي وإسهامات أبناء الأردن، بل يمكن أن يتجاوز ذلك إلى فهم المسار الذي تشكلت من خلاله الدولة، والعوامل التي أسهمت في استقرارها وتطورها، والدروس التي يمكن الاستفادة منها في مواجهة التحولات والتحديات المقبلة.
ومن منظور استشرافي، لا تكمن قيمة السردية في معرفة ما حدث فقط، بل في فهم لماذا حدث، وما الأنماط التي تكررت، وما عناصر القوة التي مكّنت الدولة والمجتمع من تجاوز التحديات، وما الذي تغير أو ينبغي أن يتغير. وبهذا تنتقل السردية من توثيق الماضي إلى أداة للتعلم، ومن حفظ الذاكرة إلى الإسهام في التفكير بالمستقبل.
ومن هنا، تشكل السردية الأردنية جسراً بين الماضي والحاضر والمستقبل. فمعرفة كيف تشكلت الدولة، وكيف واجهت التحديات، وما الذي مكّنها من الاستمرار والتطور، ليست غاية بحد ذاتها، بل رصيد معرفي يساعد على قراءة الواقع والاستعداد لما هو قادم. كما أن السردية لا تكتسب قيمتها من الاحتفاء بالإنجازات وحدها، بل من قراءة التجربة بموضوعية، بنجاحاتها وتحدياتها ودروسها.
وتضم السردية الأردنية الجامعة روافد متعددة تعكس تجارب مكونات المجتمع وإسهاماتها في مسيرة الوطن ضمن إطار وطني واحد. ولا تتعارض خصوصية هذه التجارب مع وحدة السردية، بل تثريها وتكشف تنوع المسارات التي التقت في بناء الأردن وخدمته والدفاع عنه.
وتجسد تجربة المجتمع الشيشاني هذا المعنى. فمنذ بدايات استقرارهم في شرق الأردن، لم يقتصر اهتمام الشيشان على بناء البيوت وإعمار المناطق التي استقروا فيها، بل امتد إلى بناء الإنسان والمؤسسات؛ فاهتموا بالأسرة والتربية والتعليم والمحافظة على القيم، وأقاموا المساجد، ثم تطورت مؤسساتهم الاجتماعية والثقافية والرياضية. ومع نشوء الدولة الأردنية وتطورها، شارك أبناؤهم في مختلف مجالات الحياة العامة، وأسهموا في مؤسسات الدولة والمجتمع وخدمة الوطن والدفاع عنه.
وكان النادي القوقازي من أبرز المؤسسات التي جسدت هذا التوجه؛ فلم يكن مجرد نادٍ رياضي، بل مؤسسة اجتماعية وثقافية ورياضية أسهمت في بناء الأجيال، والمحافظة على جوانب من الهوية والتراث، وتعزيز المشاركة والعطاء الوطني.
غير أن قيمة المؤسسات العريقة لا تكمن في تاريخها وحده، بل في قدرتها على تحويل رصيدها التاريخي إلى طاقة للإنجاز. فالنادي، وهو يقترب من عامه المئة، لا يكتفي باستذكار تاريخه، بل يعمل على تطوير بنيته ومرافقه، ويتطلع إلى أن يكون نموذجاً إقليمياً لنادٍ رياضي أخضر مستدام بيئياً، يخدم المجتمع ويدعم التوجهات الوطنية وهنا يصبح التاريخ رصيداً للبناء، لا مجرد مناسبة للاحتفاء بالماضي.
وهكذا تتحول السردية من ذاكرة محفوظة إلى مسؤولية تجاه المستقبل. فالمطلوب ليس أن نعرف فقط ما بناه السابقون، بل أن نفهم ما الذي نتعلمه من تجاربهم، وما الذي ينبغي أن نحافظ عليه أو نطوره لمواجهة تحديات زمننا والاستعداد لما هو قادم.
وهنا تظهر إحدى أهم وظائف السردية؛ فهي لا تقول لنا فقط: هذا ما فعله الآباء والأجداد، بل تدفعنا إلى أن نسأل: ماذا سنضيف نحن إلى هذه السردية؟
فالسردية الحية ليست قصة مكتملة نضع في نهايتها نقطة، وإنما مسيرة تتناقلها الأجيال، ويضيف كل جيل إليها فصلاً جديداً بما يتحمله من مسؤولية، وما يقدمه من عمل، وما يبنيه للمستقبل.