الاردن بين ثقافة البقاء وثقافة البناء
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
05-09-2026 08:58 AM
يعمل عقلنا الباطن على مسارين تماما مثل لعبة السي سو. المسار الاول البقاء و الثاني البناء. في المسار الاول تتقدم الحماية على العمل و الانجاز و السعادة في حين في المسار الثاني يشعر الفرد بالأمان الداخلي فيبدأ بتطوير الذات و الارتقاء و البناء و السعادة. الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للدولة لا تختلف عن ذلك كثيرا.
هذه مرحلة من التاريخ يتعرض فيها نموذج الدولة الوطنية لاختبار حقيقي. تراكمت مشكلات البطالة، واتسعت جيوب الفقر، وارتفعت المديونية، وتزايدت الأسئلة حول الهوية، واشتد الخطاب القائم على ثنائية «معنا أو علينا». وعندما أحاول أن أعود بهذه المشكلات إلى جذورها، أجد أن أحد أهم جذورها هو التحول الطبقي وما ينتجه من شعور متزايد بالتفاوت والغبن.
البرجوازية الاقتصادية بحد ذاتها ليست مشكلة؛ فهي جزء طبيعي من أي اقتصاد حديث. المشكلة تبدأ عندما يتحول التفاوت الاقتصادي إلى احتكار للفرص والنفوذ، وعندما تنضم إليه برجوازية سياسية تعيد إنتاج الامتياز داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
وأقصد بالبرجوازية السياسية هنا احتكار النفوذ والقرار والفرص العامة داخل دائرة محدودة، بحيث تتحول الدولة تدريجيًا من أداة لتكافؤ الفرص إلى مجال لإعادة إنتاج الامتياز.
برأيي أن هذا النوع من التداخل بين القوة الاقتصادية والسياسية يؤدي، رويدًا رويدًا، إلى إذابة الطبقة الوسطى. ومع تراجع الطبقة الوسطى لا يتغير توزيع الثروة فقط، بل يتغير المزاج الاجتماعي نفسه. فإذا غابت في المقابل ثقافة حامية وسند اقتصادي واجتماعي داعم، فقد تتشكل ثقافة جديدة أكثر قابلية للسخط والتذمر، والأخطر أنها قد تصبح بيئة خصبة للتعصب بأشكاله المختلفة.
وهنا يجب أن ينتبه صانع القرار إلى أن آثار هذا التحول لم تعد محلية. فالعالم أصبح مترابطًا، وما ينتج عن الفقر والتهميش والاستقطاب والتعصب في منطقة ما قد يتجاوز حدودها بسرعة، ولذلك أصبحت معالجة جذور عدم الاستقرار مصلحة إقليمية ودولية، وليس مجرد شأن داخلي.
أما البرجوازية الاقتصادية، فهي موجودة في المجتمعات الغربية أيضًا، لكن تلك المجتمعات طورت عبر عقود منظومة من القوانين والمؤسسات للحد من قدرتها على تحويل القوة الاقتصادية إلى احتكار سياسي كامل. أما في منطقتنا، فإن التحدي الأكثر حساسية هو العلاقة بين القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي.
ومن هنا أرى أن إعادة إنتاج القيادات والمناصب الحكومية بالطريقة نفسها، دون مراعاة تغير الزمن وتغير توقعات المجتمع، قد تصبح رسالة سلبية. فالمجتمع اليوم أكثر اطلاعًا على آليات التعيين، وأكثر قدرة على مقارنة الكفاءات، وأعلى شعورًا بالاستحقاق، خصوصًا لدى الأجيال الجديدة التي نشأت في البيئة الرقمية.
تغير المزاج الأردني
من أعراض التحول الطبقي والاجتماعي الذي نعيشه تغير واضح في المزاج العام. فقد أصبحنا نلاحظ تقلبًا سريعًا في المواقف؛ شخصية عامة أو قرار أو مؤسسة قد تحظى في لحظة بإعجاب مبالغ فيه، ثم لا تلبث أن تتحول بعد موقف آخر إلى موضوع للسخرية والسخط.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المجتمع أصبح أكثر سوءًا، وإنما قد يكون تعبيرًا عن تراجع الثقة واستقرار المعايير.
نلحظ كذلك تراجع الرضا العام حتى في بعض الحالات التي لا يبدو فيها سبب مباشر وواضح لهذا التذمر. وكأن ثقافة جديدة آخذة في التشكل؛ ثقافة تقل فيها القناعة والبهجة، وتزداد فيها المقارنة والتوقع والشكوى.
أنا هنا لا أريد ذم هذا التغير أو مدحه، بل أحاول تفسيره من منظور ثقافي واجتماعي؛ لأن استمرار تقلب المزاج العام وغياب الثقة قد يتحولان إلى مشكلة للدولة والمجتمع معًا. فالحكومة التي تقيس نجاحها فقط بدرجة الشعبية اللحظية قد تفقد القدرة على اتخاذ القرارات الضرورية للمستقبل، والمجتمع الذي يفقد الثقة قد يصبح أقل استعدادًا للصبر على الإصلاح.
وقد يميل البعض إلى اختزال هذا التغير الاجتماعي في الأوضاع المعيشية، لكن ذلك تفسير سهل أكثر من اللازم. فالمشكلة الاقتصادية مهمة، لكنها لا تعمل وحدها؛ إذ تتداخل معها أبعاد ثقافية وتاريخية واجتماعية ونفسية.
ولعل التجربة الإسلامية المبكرة تقدم مثالًا مهمًا على ذلك. فقد واجه المجتمع المسلم في المدينة ظروفًا اقتصادية ومعيشية صعبة، لكنه امتلك في المقابل منظومة قيمية قوية عززت التضامن والانتماء والمسؤولية المشتركة. لم يكن العامل الاقتصادي وحده هو الذي يحدد قدرة المجتمع على التماسك؛ كانت هناك مرجعية أخلاقية واضحة، وقيادة موحدة، وهوية مشتركة، وشعور قوي بالانتماء إلى مشروع يتجاوز المصلحة الفردية.
وهنا نصل إلى مفهوم أراه أساسيًا: المناعة الثقافية.
من الطبقية إلى ثقافة البقاء
إذا تعمقت الطبقية السياسية والاقتصادية، وأدت إلى تراجع الطبقة الوسطى، وتفاوتت فرص الوصول إلى الخدمات والوظائف والامتيازات، فإن الشعور بعدم العدالة قد يتوسع. ومع الوقت قد ينقسم المجتمع نفسيًا إلى «طبقة غالبة» و«طبقة مغلوبة».
وعندما يشعر الفرد أن النظام الاجتماعي لا يكافئ الجهد والكفاءة بالقدر الكافي، فإنه قد ينتقل من ثقافة البناء إلى ثقافة البقاء.
ثقافة البقاء تبحث عن الحماية قبل الإنجاز، وعن الجماعة قبل المؤسسة، وعن المصلحة الآنية قبل المستقبل. وفي بيئة كهذه قد تنتشر ازدواجية الشخصية: نتحدث عن المثل العليا، لكننا نبحث في الممارسة عن الطريق الأقصر لمصلحتنا.
أما عندما توجد مناعة ثقافية، فإن المجتمع يستطيع امتصاص الضغوط الاقتصادية والسياسية دون أن تتحول تلقائيًا إلى تفكك اجتماعي أو تعصب أو عدوانية.
فكيف تتشكل هذه المناعة؟
الجغرافيا والتاريخ وثقافة المجتمع
للإجابة عن هذا السؤال، علينا العودة قليلًا إلى التاريخ.
نشأت الحضارات الكبرى في الشرق القديم في بيئات ارتبط فيها الاستقرار بوفرة الزراعة والمياه والموارد، وما تبع ذلك من نشوء المدن والمؤسسات والتخصصات الاجتماعية والاقتصادية. لكن هذه البيئات نفسها كانت في أوقات مختلفة عرضة لهجمات خارجية وهجرات وصراعات أعادت تشكيل بنيتها الاجتماعية والسياسية.
أما مناطق البادية والأطراف، ومنها أجزاء واسعة من الأردن وجنوب سوريا وشبه جزيرة سيناء، فقد كان تركيبها الاجتماعي والجغرافي مختلفًا. فوجود مجتمعات قبلية وعشائرية واسعة، مع مراكز استقرار متباعدة، ومساحات مفتوحة تسمح بالحركة والانسحاب وإعادة التجمع، جعل تكوين سلطة مركزية مستقرة وممتدة أمرًا أكثر صعوبة عبر فترات تاريخية طويلة.
ولا يعني ذلك أن هذه المجتمعات لم تعرف التفاوت أو الصراع، وإنما يعني أن البنية الاجتماعية فيها ظلت أكثر اعتمادًا على العلاقات الأفقية والقرابة والندية والاستقلالية، وأقل قابلية للتماسك حول طبقة إقطاعية مستقرة وطويلة الأمد بالمعنى المعروف في بعض المجتمعات الزراعية الكثيفة.
وهذه نقطة مهمة لفهم الشخصية الاجتماعية في شرق الأردن.
فالمجتمع العشائري يحمل في داخله قيمًا قوية مثل الكرامة والاستقلال والنجدة وحماية الجماعة، لكنه في الوقت نفسه قادر على التضحية من أجل قيمة عليا يتفق عليها أفراده.
الدولة الوطنية والاختبار الجديد
ما يحدث اليوم أن هناك تحولًا تدريجيًا في البنية الاجتماعية الأردنية لم تعتد عليه البيئة العشائرية بالشكل الحالي.
فالفرد يجد نفسه بين تعاليم الأسرة التي تدعو إلى الانضباط والاجتهاد والتعليم، وبين الدولة التي تدعو إلى الانضباط بالقانون، وبين ثقافة اجتماعية تاريخية تقوم على الاعتزاز والكرامة وعدم الخضوع.
كانت الدولة الوطنية، في جانب مهم منها، هي الحل لهذا التناقض؛ لأنها قدمت هوية وطنية أوسع من الهويات الفرعية، وأتاحت الانتقال من منطق الجماعة الصغيرة إلى منطق الدولة والمؤسسة.
لكن الثورة الرقمية غيرت المعادلة.
فالفرد اليوم لا يتلقى المعلومة من الدولة أو الإعلام التقليدي فقط. أصبح قادرًا على رؤية تجارب الآخرين، ومقارنة مستوى الخدمات، ومعرفة الكفاءات، ومتابعة التعيينات، ومراقبة أداء المؤسسات، بل ومقارنة نفسه بغيره في ثوانٍ.
كما أن الأجيال الجديدة تمتلك مؤهلات وقدرات رقمية تتوافق بدرجة أكبر مع متطلبات العصر، ولذلك ارتفع لديها الشعور بالاستحقاق.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية:
إذا ارتفع شعور الاستحقاق أسرع من ارتفاع الإحساس بعدالة الفرص، فإن الفجوة النفسية بين المواطن والدولة ستتسع حتى لو تحسنت بعض المؤشرات الاقتصادية.
من ثقافة البقاء إلى ثقافة البناء
لذلك أرى أن جذر جزء مهم من مشكلات الأردن ليس اقتصاديًا فقط، بل هو تحول اجتماعي وثقافي تسببه إعادة تشكيل الطبقات الاقتصادية والسياسية داخل بيئة اجتماعية ذات جذور عشائرية قوية.
الدولة الوطنية تستطيع أن تصهر الهويات الفرعية في هوية وطنية جامعة، لكنها تحتاج إلى شرط أساسي: حد أدنى محسوس من العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
فالبيئة العشائرية قد تقبل الفقر، وقد تقبل التضحية، وقد تقبل الصعوبات إذا شعرت أن الجميع في القارب نفسه وأن الهدف مشترك؛ لكنها تصبح أكثر مقاومة عندما تشعر أن هناك طبقة تمتلك امتيازات لا تتاح للآخرين.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للأردن:
هل نترك الضغوط الاقتصادية والاجتماعية تدفع المجتمع تدريجيًا نحو ثقافة البقاء، حيث تصبح الحماية والمصلحة الفردية والجماعة الصغيرة هي الأولوية؟
أم نستطيع إعادة بناء الثقة، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتحقيق عدالة أكبر في الفرص، وتعزيز المناعة الثقافية، لننتقل إلى ثقافة البناء؛ حيث يصبح الوطن والمؤسسة والقانون والمستقبل المشترك فوق المصالح الآنية؟
المشكلة إذن ليست في أن الأردني تغير.
المشكلة هي أن البيئة التي صنعت الأردني الذي عرفناه تتغير.
وإذا أردنا أن تبقى الدولة الوطنية قادرة على جمع المجتمع حولها، فعلينا ألا نكتفي بإدارة الاقتصاد والسياسة؛ بل علينا أن نحمي الثقافة التي تجعل المواطن مستعدًا للبناء بدل أن تجبره الظروف على البحث عن وسيلة للبقاء.
فالدولة لا تستقر فقط عندما توفر الخبز، وإنما عندما تقنع مواطنيها بأن المستقبل يستحق أن يُبنى.