العالم يريد إسقاط أمريكا .. فمن الذي يموّلها .. وإلى متى؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
06-09-2026 03:41 PM
منذ سنوات.. ونحن نسمع ذات الأسطوانة تتكرر.. أمريكا تغرق بالديون.. اقتصادها يترنح.. الدولار إلى زوال.. الصين قادمة.. واليابان بدأت تتخلى عنها.. والعالم ينتظر سقوط الإمبراطورية التي حكمت العالم لعقود..
ولكن.. وبينما ينتظر كثيرون لحظة الغرق.. تستمر أمريكا في بناء حاملات الطائرات.. وخوض الحروب.. وفرض العقوبات.. وتهديد هذا وذاك.. وكأنها ليست الدولة الأكثر مديونية في العالم..
فكيف يحدث ذلك؟!..
حقيقة الأمر.. أنا لست ضليعاً في السياسة والاقتصاد.. وأؤمن بأن أمريكا ليست إله.. وليست مؤيدة من رب العالمين.. ولكن ببعض البحث والقراءة.. وربط الأمور ببعضها.. أستطيع الاجابة بشكل بسيط عن هذا السؤال.. راجياً الانتباه إلى أنني أكتب قناعاتي.. بكل شفافية.. ولا أعير العاطفة شيئاً في ذلك..
مقدماً العذر المسبق على الاطالة النسبية..
وراجياً القراءة الكاملة للمقال.. لكي تتضح الصورة بشكل كاملِ غير مجزوء..
تخيل رجلاً عليه ديون بمبلغ أربعين تريليون دولار.. وكلما جاء موعد سداد جزء من دينه.. ذهب إلى البنك ليأخذ قرضاً جديداً.. ويسدد القديم..
قد تقول.. سيأتي اليوم الذي يرفض فيه البنك إقراضه.. وسينهار..
صحيح.. إلا إذا كان هذا الرجل مختلفاً عن الجميع..
إلا إذا كان هو صاحب العملة التي يحتاجها الجميع.. وصاحب أكبر سوق مالي.. وصاحب القوة العسكرية التي تحمي النظام الاقتصادي الذي يعمل به العالم كله..
هذا الرجل اسمه أمريكا..
القصة ببساطة تبدأ عندما تبيع الصين بضائعها لأمريكا.. أو تبيع اليابان سياراتها.. فتقبض ثمنها بالدولار..
والسؤال.. ماذا ستفعل الصين واليابان بكل هذه الدولارات؟!..
لا تستطيع وضعها في الوسادة.. أو تحت البلاط.. وبالمؤكد لا تريد أن تعيدها وتضخها في اقتصادها دفعة واحدة.. فتبحث عن مكان آمن تضع فيه أموالها..
فتجد سندات الخزينة الأمريكية.. هي الأنسب..
وهنا تحديداً تحدث المفارقة..
أمريكا تشتري بضائع العالم بالدولار.. ثم يعود جزء من تلك الدولارات إليها على شكل قروض..
أي أنها تقول للعالم بطريقة غير مباشرة.. خذوا دولاراتنا مقابل بضائعكم.. ثم أعيدوا إلينا جزءاً منها لنقترضه منكم..
وهكذا.. تصبح الصين واليابان ودول أخرى ممولة للخزينة الأمريكية.. والخزينة الأمريكية واحدة.. منها تُدفع الرواتب.. ومنها تُبنى الطرق.. ومنها يُمول الجيش.. ومنها تُخاض الحروب..
فهل تمول الصين واليابان وغيرها الحروب الأمريكية؟!..
ليس بالمعنى المباشر.. فلا يوجد شيك صيني مكتوب عليه.. يُصرف لحرب أمريكا القادمة..
ولكن حين تقرض دولة ما الخزينة الأمريكية مئات المليارات.. فهي تعلم.. أن المال يدخل صندوقاً واحداً.. وهذا الصندوق هو نفسه الذي يمول كل شيء..
والأغرب من ذلك.. أن الصين لا تستطيع ببساطة أن تقول.. سأبيع كل سنداتي الأمريكية.. وأكسر ظهر أمريكا.. لأنها ستكسر جزءاً من ظهرها هي أيضاً..
فبيع كميات ضخمة.. يعني انخفاض قيمة السندات التي تملكها.. واضطراب الأسواق.. وربما تراجع الدولار الذي تحتفظ بجزء كبير من احتياطياتها به..
وكأن أمريكا والصين تقفان على قارب واحد.. وكل منهما يمسك بطرفه.. فإذا حاول أحدهما إغراق الآخر بعنف.. قد يجد نفسه في الماء معه..
ولكن.. من أين تأتي قوة أمريكا الحقيقية؟!..
من شيء يسمى اقتصادياً الامتياز الباهظ.. وهو ببساطة.. أن أمريكا تملك امتيازاً لا تملكه معظم دول العالم.. فهي تستدين بعملتها.. وتسدد ديونها بعملتها.. والعالم يريد هذه العملة..
تخيل لو أن دولة صغيرة غرقت بالديون.. وقررت طباعة المزيد من عملتها لتسدد ما عليها.. غالباً ما تنهار عملتها.. ويهرب الناس منها..
أما أمريكا.. فحين تطبع الدولار.. فإن غالبية دول العالم.. تحتاج جزءاً منه للتجارة والاستثمار والاحتياطيات..
ولهذا فإن جزءاً من آثار التضخم الناتج عن توسع الدولار.. لا يبقى داخل أمريكا وحدها.. بل يتم تصديره وينتشر في الاقتصاد العالمي الذي يستخدم الدولار..
ولكن أمريكا ليست ساحرة.. ولا تملك عصا سحرية.. فكلما ارتفعت الفائدة.. ارتفعت كلفة ديونها..
وكلما استحقت سندات قديمة بفوائد منخفضة.. واضطرت إلى إصدار سندات جديدة بفوائد أعلى.. أصبحت كرة الدين أكبر وأثقل..
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية..
فكرة الدين تشبه كرة ثلج تتدحرج من أعلى الجبل.. في البداية تستطيع السيطرة عليها.. ولكن كلما تدحرجت أكثر.. كبرت.. وأصبحت أثقل وأسرع.. حتى يأتي وقت يصبح إيقافها أصعب بكثير من تركها تتدحرج..
وهنا اقول.. ليس السؤال كم تدين أمريكا؟!.. بل كم تدفع ثمناً لهذا الدين؟!..
ومع ذلك.. هناك مشهد أكثر غرابة..
حين تضطرب الأسواق العالمية.. ويخاف المستثمرون.. ويبحثون عن مكان آمن لأموالهم.. أين يذهب كثير منهم؟!.. بالمؤكد إلى الدولار.. وإلى سندات الخزينة الأمريكية..
كأن السفينة تهتز في البحر.. فيركض الجميع إلى غرفة قبطان السفينة.. رغم أنهم غير مقتنعين تماماً بأنه أفضل القباطنة..
وهنا نفهم المفارقة الكبرى.. أمريكا مدينة للعالم.. ولكن العالم أيضاً.. مدين لأمريكا بشيء أهم من المال.. بالنظام المالي الذي بناه الدولار..
ولهذا.. فإن مَن ينتظر أن يستيقظ ذات صباح.. ليسمع أن أمريكا أعلنت إفلاسها.. قد ينتظر طويلاً..
فسقوط الدول الكبرى.. لا يكون دائماً بصوت انفجار..
أحياناً يكون تآكلاً بطيئاً.. فائدة ترتفع.. ودين يتضخم.. وثقة تتراجع.. ودول تبحث عن بدائل.. ودولار يفقد جزءاً من امتيازه..
وهنا ربما لا نحتاج أن ننتظر عاماً.. أو عامين.. فمثل هذه التحولات الكبرى.. لا تحدث بين ليلة وضحاها.. وقد يحتاج العالم 20 عاماً.. أو أكثر حتى يرى بداية ترنح حقيقية للقوة الأمريكية.. إن استمرت كرة الدين بالتدحرج.. واستمر العالم في البحث عن بدائل للدولار..
فأمريكا قد لا تسقط كما يتخيل المتربصون بها.. بانفجار مفاجئ.. ولكن الأخطر عليها هو أن تستيقظ بعد عقدين.. لتجد أن العالم لم يعد يحتاج إليها.. ولا إلى دولارها.. ولا إلى سنداتها.. بالمقدار الذي يحتاجه اليوم.
وهنا فقط.. قد يبدأ العد التنازلي الحقيقي..
لذلك.. ربما لا يكون السؤال الذي نقوله صبح مساء.. وحتى في دعئنا.. متى ستسقط أمريكا؟!.. بل.. هل يستطيع العالم.. أن يتوقف عن تمويل القوة.. التي يريد التخلص منها؟!..
لأن الحقيقة التي قد لا تعجب كثيراً من المتربصين بأمريكا هي.. أن أمريكا لم تصبح بهذه القوة لأنها الأقوى فقط.. بل لأن العالم مجتمعاً.. بصورة أو بأخرى.. ساهم طوال عقود في تمويل قوتها..
وهنا تكمن الحكاية كلها.. راجياً أن أكون قد أوضحت الأمر بشكل بسيطٍ وواضح..