facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الخيانة والعمالة .. الحقيقة التي لا يريدونك أن تعرفها


محمود الدباس - أبو الليث
20-09-2026 10:41 AM

كلما فتحنا ملفاً عربياً قديماً.. أو ناقشنا هزيمة.. أو تحدثنا عن قرار سياسي ترك أثراً في تاريخنا.. يظهر السؤال الذي يبدو للكثيرين أنه يحمل الإجابة معه.. مَن خان؟!.. ومَن تآمر؟!.. ومَن باع؟!..

وبسرعة.. يصبح البحث عن الخائن.. أهم من البحث في القضية نفسها.. ويصبح اسم الزعيم.. أو المسؤول.. هو مركز الحكاية.. وكأن التاريخ كله.. يمكن اختصاره في نوايا أشخاص.. وكأن كل ما حدث.. كان نتيجة مؤامرة واحدة.. وخيانة واحدة.. وعمالة واحدة..

فهل فعلاً كان كل هؤلاء الزعماء خونة وعملاء؟!.. أم أننا أحياناً نبحث عن تفسير سهل لتاريخ معقد؟!..

الخيانة ليست كلمة نوزعها على مَن لا يعجبنا قراره.. والعمالة ليست تفسيراً جاهزاً لكل موقف سياسي لا نفهم أسبابه.. فالقرار السياسي لا يُقرأ منفصلاً عن زمانه.. ولا عن الجغرافيا.. ولا عن موازين القوى.. ولا عن طبيعة الصراع.. ولا عن البدائل التي كانت متاحة أمام صاحبه في تلك اللحظة..

قد نختلف مع قرار زعيم.. وقد نراه خاطئاً.. وقد نرى أن نتائجه كانت كارثية.. لكن هذا شيء.. وأن نقفز من القرار الخاطئ.. إلى الخيانة والعمالة شيء آخر تماماً..

أما إذا كانت هناك وثيقة.. أو اعتراف.. أو واقعة مثبتة.. أو علاقة سرية موثقة.. أو أموال مشبوهة.. أو تنسيق استخباري مثبت.. أو تنازل واضح عن مصلحة وطنية.. مقابل منفعة شخصية.. أو خارجية.. فهنا يصبح الحديث عن الخيانة.. موضوعاً مشروعاً للنقاش والتوثيق.. وليس مجرد شتيمة سياسية.. تُلقى في وجه الخصم..

وهنا يأتي دور العقل.. لا دور الجمهور..

لأن أخطر ما يمكن أن نفعله.. هو أن نتبنى رواية غيرنا.. ثم ندافع عنها.. وكأننا كنا شهوداً عليها.. وأن نكرر اتهاماً.. حتى يصبح لكثرة تكراره هيئة الحقيقة.. مع أن التكرار لا يحول الظن إلى دليل.. ولا يحول الحكاية إلى وثيقة..

والقرآن الكريم لا يترك لنا هذه المسألة بلا ميزان.. يقول الله تعالى.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.. فنرى بوضوح مبدأ التثبت.. قبل بناء الموقف على الخبر..

ويقول سبحانه أيضاً.. ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.. ثم يحذر من الظن فيقول.. ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.. فكيف نأخذ اتهاماً سياسياً خطيراً.. ثم نبني عليه حكماً على إنسان.. وربما على أمة وتاريخ كامل.. دون علم.. أو بينة؟!..

نحن لا نحتاج إلى تبرئة أحد.. كما أننا لا نحتاج إلى إدانة أحد مسبقاً..

نحتاج فقط.. إلى أن نتعلم الفرق بين الوقائع.. والتحليل.. والظن.. والدعاية..

فقد يكون الزعيم مخطئاً.. وقد يكون قراره ضعيفاً.. وقد يكون حسابه السياسي سيئاً.. وقد يكون فعله موضع نقد شديد.. لكن كل ذلك لا يمنحنا تلقائياً.. حق وصفه بالخيانة والعمالة..

وفي المقابل.. لا ينبغي أن يتحول احترام الزعيم.. أو الدفاع عن الوطن.. إلى حصانة تمنع النقد.. فإذا ظهرت الأدلة.. وجب النظر فيها.. وإذا ثبتت الوقائع.. وجب التعامل معها كما هي.. لا كما نحب أن تكون..

المشكلة أن ثقافة الشك الجماعي.. أصبحت في كثير من الأحيان.. أقرب إلى إدمان سياسي..
كل شيء مؤامرة..
وكل قرار خيانة..
وكل اتفاق عمالة..
وكل اختلاف تآمر..
حتى أصبح بعضنا لا يستطيع أن يرى تعقيد العالم.. إلا من خلال غرفة مظلمة.. يسكنها الخونة والعملاء..

ومن أخطر نتائج ذلك.. أننا قد نكون قد خدمنا خصومنا من حيث لا ندري.. فقد يكون من مصلحة أعدائنا.. أن نبقى منشغلين بتخوين بعضنا.. وأن نطعن في تاريخنا كله.. وأن نفقد الثقة بكل قيادة.. وكل مؤسسة.. وكل تجربة.. حتى تصبح الأمة مشغولة بتفتيش بيتها الداخلي عن الخائن.. بدلاً من أن تسأل.. لماذا يتقدم غيرها في العلم والاقتصاد والتكنولوجيا والقوة وصناعة القرار..

وهنا تصبح المسألة أكبر من الدفاع عن زعيم.. أو مهاجمته.. إنها دفاع عن عقولنا..

ناقشوا الفعل قبل النية.. والدليل قبل الاتهام.. والنتيجة قبل الشتيمة.. واسألوا عن الظروف والبدائل والجغرافيا وموازين القوى.. قبل إصدار الحكم..

ليس كل مَن أخطأ خائناً..
وليس كل مَن اختلف معنا عميلاً..
وليس كل من اتخذ قراراً لا نفهمه متآمراً..
لكن الخيانة أيضاً.. ليست كلمة محرمة على النقاش.. وإنما تهمة لها وزنها.. ومن يطلقها يجب أن يكون مستعداً لحمل وزن الدليل معها..

فإن كان الدليل موجوداً.. فلنناقشه بشجاعة.. وإن لم يكن موجوداً.. فلنحترم عقولنا بما يكفي.. حتى لا نحول الظن إلى حقيقة.. والرواية إلى تاريخ.. والخصومة إلى خيانة..

فليس كل ما نسمعه حقيقة.. وليس كل ما نكرره معرفة.. وأخطر ما يمكن أن نخسره في صراعنا مع أعدائنا.. أن نخسر عقولنا قبل أن نخسر المعركة..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :