لو كنت أمريكا .. لشَكرتُ إيران؟!
محمود الدباس - أبو الليث
22-09-2026 08:23 AM
قد يبدو العنوان مستفزاً للبعض.. وربما يثير غضب من يرون في كل نقد لإيران اصطفافاً مع أمريكا.. ولذلك أقولها منذ البداية وبوضوح.. أنا لا أبرر العدوان على إيران.. ولا أعتبر ضرب دولة ذات سيادة أمراً يمكن قبوله لمجرد أن لها خصومة مع أمريكا أو الكيان الصهيوني..
لقد كان ما جرى عدواناً على إيران.. وهذا لا يحتاج مني إلى مواربة.. وقد يكون للولايات المتحدة والكيان الصهيوني مبرراتهما التي يطرحانها أمام العالم.. من الخوف من اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي.. إلى برنامج الصواريخ.. وإلى نشاط أذرعها المسلحة في المنطقة.. لكن وجود مبررات معلنة لا يغيّر حقيقة أن الحرب كانت عدواناً..
لكن السؤال الذي يعنيني هنا مختلف تماماً..
ماذا لو أن إيران.. بعد أن تعرضت للعدوان.. نظرت إلى المشهد من زاوية أخرى؟!..
ماذا لو قالت.. لقد وقعت الحرب.. وخسرنا وخسر الآخرون.. والآن كيف نوقف النزيف؟!..
وهنا جاءت مذكرة التفاهم التي وقعتها واشنطن وطهران في حزيران الماضي.. والتي نصت على إنهاء العمليات العسكرية.. وإعادة فتح الطريق أمام الملاحة في مضيق هرمز.. وبدء مسار تفاوضي حول الملف النووي.. مع تعهد إيران بعدم تطوير السلاح النووي.. ومعالجة وضع المواد النووية المخصبة.. بينما كان ملف الصواريخ والقضايا الإقليمية.. جزءاً من مسار التفاوض الأوسع.. للوصول إلى اتفاق نهائي..
لو اكتمل ذلك المسار.. لربما خرجت إيران من الحرب وهي تقول.. إنها صمدت في وجه العدوان.. وحفظت ما تستطيع حفظه من مصالحها.. وفتحت الباب أمام رفع العقوبات.. وإعادة الإعمار.. وعودة حركة التجارة والطاقة.. وربما الأهم.. إعادة بناء شيء من الثقة بينها وبين جيرانها..
لكن الاتفاق انهار بعد أسابيع.. وعادت المواجهات.. وعاد مضيق هرمز إلى قلب الأزمة.. وعادت الضغوط والعقوبات.. ودخلت المنطقة مرة أخرى في دوامة الاستنزاف..
وهنا تحديداً تبدأ المفارقة.. التي تستحق أن نفكر فيها بعيداً عن العاطفة..
ماذا لو أن إيران.. وهي التي أرادت أن تجعل من مضيق هرمز.. ورقة ضغط على العالم.. ساعدت من حيث لا تريد على إعادة رسم سوق الطاقة بعيداً عنها؟!..
فالمضيق لم يعد مجرد ممر جغرافي تمر عبره الطاقة.. بل أصبح عنواناً لمشكلة.. يجب على العالم أن يجد لها بديلاً..
وعندما تصبح دولة.. أو منطقة ما.. مصدراً للخطر على خطوط الإمداد.. يبدأ المستهلك بالبحث عن مصدر آخر.. والطريق البديل.. والميناء البديل.. والمخزون البديل..
وهنا دخلت الطاقة الأمريكية بقوة..
وفي النصف الأول من عام 2026.. ارتفعت صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية.. بنسبة 23% عن الفترة نفسها من العام السابق.. إلى متوسط 17.4 مليار قدم مكعب يومياً.. بينما تضاعفت تقريباً الصادرات الأمريكية إلى آسيا.. نتيجة اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب..
أي أن إيران عندما أرادت أن تقول للعالم.. أنتم بحاجة إلى هرمز.. بدأت الأسواق تقول للعالم شيئاً آخر.. نحن بحاجة إلى تنويع مصادرنا وطرقنا..
وهذه ليست نهاية القصة..
فالحرب لا تستهلك البشر والمال فقط.. إنها تستهلك السلاح أيضاً..
الصواريخ التي تطلق.. وصواريخ الاعتراض التي تُستخدم ضدها.. والقنابل والذخائر والطائرات والمنظومات الدفاعية.. كلها تتحول في نهاية المطاف.. إلى فاتورة يجب دفعها من جديد..
وقدرت مصادر الكونغرس الأمريكي.. أن العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران.. كلفت الولايات المتحدة.. أكثر من 30 مليار دولار حتى الأول من آب 2026..
فيما أظهرت تقارير وزارة الدفاع.. وجود نقص استراتيجي في بعض مخزونات الذخائر.. واختناقات في القدرة الصناعية على إعادة إنتاجها.. وأنها تحتاج لحوالي 21 مليار دولار.. مخصصة للذخائر فقط..
أما دول المنطقة التي تعرضت للهجمات.. فهي أيضاً تحتاج إلى إعادة بناء مخزوناتها الدفاعية.. وربما إلى تحديثها وتوسيعها..
وهنا تأتي المفارقة الأكبر..
إيران تضرب.. ودول المنطقة تعترض..
إيران تستنزف مخزونات خصومها.. وخصومها يشترون بديلاً..
وكلما احتاجت المنطقة إلى مزيد من السلاح المتطور.. وجدت أمامها الولايات المتحدة.. بوصفها واحدة من أكبر الموردين.. وأكثرهم حضوراً.. وأعلاها تقنية..
وليس الكلام نظرياً..
السعودية وحدها.. لديها صفقات أمريكية محتملة بمليارات الدولارات.. بينها 9 مليارات لصواريخ Patriot.. ونحو 3 مليارات لإدامة طائرات F-15.. وصفقة F-35 تصل إلى 24.3 مليار دولار.. أي أن هذه البنود وحدها تقترب من 36 مليار دولار.. قبل احتساب صفقات أخرى للسعودية.. وبقية دول الخليج والأردن..
وبصورة أوسع.. تجاوزت الإخطارات الأمريكية منذ بداية الحرب.. 64 مليار دولار من صفقات السلاح.. للكيان الإسرائيلي ودول المنطقة.. التي تشمل السعودية والإمارات وقطر والكويت والأردن وعُمان..
أما البنتاغون.. فقد دخل في سباق لإعادة بناء مخزوناته.. وتسريع إنتاج صواريخ الدفاع والهجوم..
وهنا أعود إلى العنوان..
لو كنت أمريكا.. لشَكرتُ إيران؟!..
ليس لأن إيران أرادت خدمة أمريكا..
وليس لأن أمريكا لم تخسر شيئاً في هذه الحرب..
بل لأن الدولة العظمى.. تعرف شيئاً قد لا تعرفه الدول الصغيرة..
أن الأحداث لا تأتي دائماً كما تريد.. لكنك تستطيع أن تحاول تحويل نتائجها إلى مصلحة..
قد تدخل الحرب معتقداً أنها ستنتهي خلال أسبوع.. أو أسبوعين.. ثم تجدها أطول مما توقعت..
قد تستهلك جزءاً من ذخائرك.. فتبدأ إعادة بناء مخزوناتك بمنظومات أحدث..
وقد يستهلك حلفاؤك مخزوناتهم.. فتبدأ دورة تسليح جديدة..
وقد يغلق خصمك أهم ممرات الطاقة في العالم.. فتبحث الأسواق عن البدائل.. فتجد شركات الطاقة الأمريكية نفسها أمام طلب أكبر..
وقد يريد خصمك أن يجعل العالم أكثر اعتماداً عليه.. فيدفع العالم من حيث لا يريد.. إلى تنويع اعتماده بعيداً عنه..
وهنا تكمن براعة الدول الكبرى..
ليست البراعة دائماً في أن تمنع خصمك من إلحاق الضرر بك..
أحياناً تكون البراعة في أن تقول بعد وقوع الضرر.. لقد حدث ما حدث.. فكيف نجعل نتائجه تعمل لمصلحتنا؟!..
وهذه هي النقطة التي أظن أن علينا نحن العرب.. أن نتوقف عندها طويلاً..
لأن إيران لم تخسر وحدها..
جيرانها خسروا أيضاً..
الخليج دفع الثمن.. والعراق ولبنان واليمن وسوريا دفعت أثماناً مختلفة.. عبر سنوات من الصراع والاستنزاف.. واليوم تدفع المنطقة كلها ثمناً جديداً.. نتيجة اتساع رقعة المواجهة.. واضطراب خطوط التجارة والطاقة..
والأشد إيلاماً.. أن إيران كانت تملك فرصة مختلفة..
كان بإمكانها أن تقول بعد توقف القتال.. نحن تعرضنا للعدوان.. لكننا لن نجعل من العدوان سبباً لتدمير ما تبقى من مصالحنا..
نفتح المضيق..
نوقف التصعيد..
ندخل في تفاوض جاد حول النووي..
ونضع الصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى.. والأذرع المسلحة.. ضمن مسار تفاوضي واضح..
ونعيد فتح الأبواب مع الجيران..
فماذا كانت ستخسر إيران لو فعلت ذلك؟!..
ربما كانت ستخرج من الحرب وهي تقول.. إنها لم تستسلم..
لكنها أنقذت شعبها..
وحافظت على اقتصادها..
وأعادت فتح أبوابها أمام جيرانها..
وأعادت شيئاً من ثقة المجتمع الدولي بها..
وكان يمكن للإيراني أن يأتي إلى الخليج.. والأردن.. ولبنان.. وغيرها.. تاجراً وسائحاً ومستثمراً وزائراً.. بدلاً من أن يأتي اسمه مرتبطاً بالصاروخ.. والمسيرة.. والميليشيا. والممر المغلق..
لكن حين تتحول السياسة.. إلى معركة إثبات من يستطيع أن يصمد أكثر.. قد يحدث شيء أخطر..
أن ينتصر الخصم في تحقيق هدفه.. من دون أن ينتصر عسكرياً..
وهنا ربما تكون المفارقة التي لا يحب كثيرون سماعها..
إيران أرادت أن تجعل أمريكا تدفع ثمن الحرب..
فدفعت أمريكا الثمن فعلاً..
لكنها في الوقت نفسه.. دفعت إيران وجيرانها والعالم إلى إعادة حساباتهم..
وأعطت شركات السلاح الأمريكية سوقاً جديداً..
وأعطت الطاقة الأمريكية فرصة جديدة..
وأعطت واشنطن سبباً إضافياً.. لتقول لحلفائها في المنطقة.. انظروا.. أنتم بحاجة إلينا.
وهكذا قد تتحول الحرب التي بدأت باعتبارها عدواناً على إيران.. إلى فرصة استراتيجية واقتصادية لخصمها..
وهنا لا أقول إن أمريكا خططت لكل ذلك منذ اليوم الأول..
فهذا ادعاء لا أملك دليلاً عليه..
لكنني أقول شيئاً أبسط وأخطر..
الدول العظمى لا تحتاج دائماً إلى أن تخطط لكل شيء.. يكفي أن تعرف كيف تتعامل مع كل شيء عندما يحدث..
وربما لهذا السبب.. يجب أن نتوقف عن النظر إلى الحرب من خلال سؤال واحد..
من انتصر؟!..
ومن هُزم؟!..
فأحياناً تكون الإجابة أكثر تعقيداً..
قد يخسر طرف معركة..
ويخسر طرف آخر أموالاً..
ويخسر الجيران أمنهم..
ويخسر الناس بيوتهم وأرزاقهم..
ثم يأتي طرف ثالث.. فينظر إلى كل هذه الخسائر.. ويبدأ بتحويلها إلى عقود.. وتسليح.. وأسواق.. ونفوذ وطاقة..
وعندها فقط.. نفهم معنى أن تكون دولة عظمى..
فهي لا تمنع العاصفة دائماً.. لكنها تعرف كيف تبحر بعدها..
فهل نعي ونفهم الدرس؟!..