النفط وعوائد السندات: كلفة عالمية متصاعدة
د. رعد محمود التل
11-10-2026 12:19 AM
للمرة الأولى منذ 36 عاماً تعود العلاقة بين أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى مستويات مرتفعة تاريخياً. فكل ارتفاع في سعر برميل النفط الخام قد يترافق مع زيادة في تكلفة الاقتراض عالمياً. ووفقاً لصحيفة فاينانشال تايمز، بلغ معامل الارتباط بين سعر خام غرب تكساس وعائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات نحو 65% خلال هذا الشهر. كما تشير التقديرات إلى أن ارتفاع سعر برميل النفط دولاراً واحداً يرتبط بزيادة تقارب0.02 نقطة مئوية في عائد هذه السندات. هذا الترابط يعكس تزامن التحركات في أسواق الطاقة والسندات، بحيث يصبح ارتفاع النفط مصحوباً في كثير من الحالات بارتفاع العوائد. هذا الترابط يعني ببساطة أنه كلما ارتفع النفط ارتفعت معه عوائد السندات والعكس صحيح وإن كانت هذه العلاقة لا تعني بالضرورة وجود تأثير سببي مباشر بين المتغيرين.
لا تقتصر هذه الظاهرة على السوق الأمريكية بل تمتد إلى أسواق السندات الأوروبية، حيث شهدت الدول الأكثر تعرضاً لصدمات الطاقة ارتفاعاً في عوائد سنداتها بالتزامن مع صعود أسعار النفط الخام. فمن منظور اقتصادي، تمثل الطاقة أحد المحددات المهمة للتضخم إذ يؤدي ارتفاع أسعارها إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع بما ينعكس على أسعار السلع والخدمات. ومع تزامن هذه الضغوط مع ارتفاع عوائد السندات، أصبحت الأسواق المالية أكثر حساسية للتقلبات في أسواق الطاقة خصوصاً في ظل التوترات المستمرة في الشرق الأوسط وتراجع المعروض من النفط الخام ومشتقاته.
تتجاوز آثار هذا الترابط أسواق المال لتصل مباشرة إلى المستهلكين، من خلال ارتفاع تكاليف المعيشة والتمويل وتراجع القدرة الشرائية. فارتفاع أسعار النفط يغذي الضغوط التضخمية، بينما يؤدي صعود عوائد السندات إلى زيادة تكلفة الاقتراض في قطاعات متعددة. ويُعد عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات مرجعاً مهماً في تسعير العديد من الأدوات المالية والقروض طويلة الأجل، بما فيها التمويل العقاري. ولذلك، فإن ارتفاعه قد ينعكس على أسعار الفائدة التي يتحملها المقترضون. وإذا استمرت هذه الضغوط بالتزامن مع ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي، فقد تتزايد احتمالات الدخول في مرحلة من "الركود التضخمي".
بالنسبة للأردن فإن خطورة هذا الترابط بين أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة الأمريكية تكمن في تعرض الاقتصاد لضغط مزدوج. فالأردن اقتصاد مستورد للطاقة وبالتالي فإن ارتفاع أسعار النفط يرفع فاتورة المستوردات ويزيد تكاليف النقل والإنتاج، وقد ينعكس على أسعار السلع والخدمات والقدرة الشرائية للمواطنين. وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية قد يرفع تكلفة التمويل في الأسواق العالمية، ويزيد كلفة الاقتراض الخارجي وإعادة تمويل الديون المستحقة عند تجديدها. وهذا يعني أن الاقتصاد الأردني قد يواجه ارتفاعا في تكلفة الطاقة بالتزامن مع ارتفاع تكلفة رأس المال، بما يضغط على الحساب الجاري والمالية العامة ويحد من قدرة القطاع الخاص على التوسع والاستثمار.
على مستوى الدين العام فإن التحدي لا يقتصر على حجم الدين، بل يمتد إلى تكلفة خدمتها وقدرة الاقتصاد على تحمل أعبائها دون التأثير في الإنفاق التنموي والاستثماري. فإذا استمر ارتفاع أسعار النفط وترافَق مع بقاء عوائد السندات الأمريكية عند مستويات مرتفعة فقد تجد الحكومة نفسها أمام ضغوط إضافية على الموازنة، سواء من خلال ارتفاع فاتورة الطاقة أو زيادة تكلفة التمويل عند إصدار ديون جديدة أو إعادة تمويل الديون القائمة. لذلك، تبرز أهمية إدارة الدين العام على أساس آجال الاستحقاق وكلفة الاقتراض ومخاطر أسعار الفائدة، بالتوازي مع تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الصادرات والاستثمار والإنتاجية. فالمطلوب ليس فقط احتواء الصدمات الخارجية بل رفع قدرة الاقتصاد الأردني على توليد النمو والإيرادات المحلية والعملات الأجنبية، حتى لا تتحول التقلبات في أسواق النفط والسندات العالمية إلى أعباء إضافية على المالية العامة وفرص النمو الاقتصادي.
الرأي