facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الوقف في الدولة الحديثة .. من إدارة الأصول إلى صناعة التنمية


د. محمد فخري صويلح
11-10-2026 12:34 AM

لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار في الدولة الحديثة مقتصراً على حجم الأصول الوقفية وقيمتها السوقية، بل على ما تصنعه هذه الأصول من قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة،،، وبين السؤالين يتحدد الفارق بين مؤسسة تكتفي بحفظ الوقف وإدارة موجوداته، وأخرى تحوّله إلى قوة استثمارية وتنموية فاعلة في بناء الاقتصاد والمجتمع.

فالوقف، في أصله الحضاري، لم يكن عقاراً مجمداً ولا حساباً مصرفياً يوزع ريعه، وإنما مؤسسة صنعت التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والبنية التحتية، وأسهمت في بناء الإنسان والمجتمع قبل نشوء كثير من مؤسسات الدولة الحديثة،،، ومن هنا فإن اختزال الوقف المعاصر في المحافظة على الأصل وسلامة الإجراءات يمثل تراجعاً عن فلسفته الحضارية، حتى لو كان هذا الأصل محفوظاً من الناحية القانونية والمحاسبية،،، فالوقف الذي يحفظ أصوله ولا يصنع أثراً قد ينجح إدارياً، لكنه لم يستكمل رسالته عمرانياً.

وهذه هي الفكرة المركزية التي انتهيت إليها في بحثي حول ( حوكمة الاستثمار الوقفي،،، من منطق الإدارة إلى منطق الإعمار )، والمقدم إلى المؤتمر العالمي الثالث عشر لبديع الزمان النورسي والذي نظمته مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم في الجمهورية التركية،،، والذي ينطلق من مفهوم قرآني عميق في قوله تعالى ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾؛ فالإعمار هنا يتجاوز معنى البناء المادي، إلى كونه مسؤولية في إدارة الموارد وتنميتها وتحويلها إلى قيمة ممتدة تحقق الصالح العام.

وقد خلصت في بحثي إلى أن مستقبل الوقف لا يتحدد فقط بكفاءة إدارة موجوداته، وإنما بقدرة نظام حوكمته على تحقيق التوازن بين سلامة الأصل، وكفاءة الاستثمار، وضبط المخاطر، واستدامة المنفعة، وقياس الأثر التنموي،،، ومن هذا المنظور يصبح الوقف ترجمة مؤسسية لمفهومي الاستخلاف والإعمار،،، أصل مستدام، ومنفعة متجددة، ومسؤولية تتجاوز الجيل الحاضر إلى الأجيال القادمة.

أزمة موارد أم أزمة حوكمة؟

والفرضية التي تستحق أن تناقشها الحكومات ومؤسسات الأوقاف بجدية هي أن أزمة الوقف المعاصر ليست دائماً أزمة نقص في الأموال والأصول؛ بل قد تكون، في جانب مهم منها، أزمة نموذج مؤسسي.

فحين تنحصر وظيفة المؤسسة الوقفية في حفظ الأصل، وتحصيل الريع، وتنفيذ شروط الواقفين، وضبط المصروفات، فإننا نكون أمام إدارة للوقف، لكنها ليست بالضرورة حوكمة استثمارية له،،، ولا يعني هذا التحول تجاوز شروط الواقفين المعتبرة شرعاً، أو التفريط في سلامة الأصول الوقفية، وإنما تطوير الأدوات المؤسسية والاستثمارية التي تحقق مقاصد الوقف وتعظم منافعه في إطار الضوابط الشرعية والقانونية.

الحوكمة تبدأ عندما نضيف إلى ذلك أسئلة أصعب،،، من يقرر؟ ومن يراقب؟ وما حدود شهية المخاطر؟ وكيف تبنى المحفظة الاستثمارية؟ وما معيار المفاضلة بين العائد والمقصد؟ وكيف نقيس الأثر؟ وهل توجد مساءلة عن الفرص الاستثمارية الضائعة مثلما توجد مساءلة عن الخسائر؟،،، فالمشكلة ليست دائماً في قلة ما يملكه الوقف؛ بل في محدودية ما نصنعه بما يملكه.

وهنا يجب الانتقال من فلسفة حفظ الأصل وحدها إلى فلسفة أكثر شمولاً،،، عنوانها حفظ الأصل، وتنميته، وتعظيم منفعته، وقياس أثره.

الحوكمة ليست رقابة فقط

ومن الأخطاء الشائعة النظر إلى الحوكمة باعتبارها مزيداً من اللجان واللوائح والتقارير،،، فالحوكمة الحقيقية ليست تضخيماً للإجراءات، وإنما بناء منظومة تجعل القرار أفضل، والمساءلة أوضح، والمخاطر أكثر انضباطاً، والأثر أكثر قابلية للقياس.

ولهذا أقترح الانتقال بالمؤسسة الوقفية عبر ثلاثة مستويات،،، من الإدارة التقليدية التي يكون هدفها حفظ الأصل، إلى الحوكمة المؤسسية التي تستهدف تنمية الأصل، ثم إلى حوكمة الإعمار التي يصبح هدفها صناعة القيمة الحضارية والتنموية.

وهذا يقتضي مجلس نظارة أو أمناء يمارس التوجيه والرقابة الاستراتيجية، وإدارة تنفيذية محترفة، ورقابة شرعية مستقلة، وإدارة للمخاطر والرقابة الداخلية، ومنظومة مستقلة لقياس الأداء والأثر،،، فلا تكفي النية الصالحة لحماية الوقف؛ فالأمانة في المؤسسات تحتاج إلى كفاءة، والكفاءة تحتاج إلى حوكمة، والحوكمة تحتاج إلى مساءلة.

وهذا المعنى يلتقي أيضاً مع الرؤية الحضارية للإمام بديع الزمان سعيد النورسي؛ إذ تتجاوز رؤيته للاقتصاد مجرد خفض الإنفاق إلى ترشيد استخدام النعمة والموارد، وتربط العمران بالحق والعدل والتعاون والاستمرارية،،، وهي معانٍ يمكن ترجمتها اليوم إلى كفاءة تخصيص الموارد، والانضباط المالي، والاستقلال المؤسسي، وتوجيه رأس المال نحو القطاعات المنتجة والنافعة.

ما لا نقيسه.. يصعب أن نحكمه

واحدة من أكبر فجوات العمل الوقفي أن بعض المؤسسات تستطيع أن تخبرنا بدقة عن قيمة أصولها وإيراداتها ومصروفاتها، لكنها قد لا تستطيع الإجابة بالدقة نفسها عن الأثر الذي صنعته،،، ولهذا اقترحت في البحث إطاراً لمؤشر أداء حوكمة الوقف Waqf Governance Performance Index (WGPI)، وهو إطار مقترح لتطوير مؤشر مركب لأداء وحوكمة الوقف بحيث لا يقاس النجاح بحجم الأصول وحده، وإنما عبر أربعة أبعاد مترابطة: الكفاءة المالية، وجودة الحوكمة، والاستدامة، والأثر التنموي.

فلا يكفي أن تحقق المحفظة عائداً جيداً إذا كانت الحوكمة ضعيفة، ولا يكفي ارتفاع التوزيعات إذا كان ذلك يتم على حساب استدامة رأس المال، كما لا تكفي سلامة الإجراءات إذا كان الأثر الاجتماعي محدوداً،،، ففي الاقتصاد الوقفي الجديد، لا ينبغي أن نسأل فقط،،، كم حققنا من عائد؟ بل،،، كم قيمة صنعنا بكل وحدة من رأس المال الوقفي؟

الوقف جزء من الاقتصاد الوطني

هنا نصل إلى القضية التي أرى أنها الأهم بالنسبة لصانع القرار،،، وقوامها وجوب إخراج الوقف من التصنيف التقليدي باعتباره ملفاً خيرياً أو إدارياً، وإعادة إدراجه باعتباره أحد مكونات الاقتصاد الوطني ومنظومة التمويل التنموي.

وهذا التحول يفتح المجال أمام الصناديق الوقفية، والوقف النقدي، والصكوك الوقفية، والشراكات مع المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية، والاستثمار في التعليم والصحة والتمكين الاقتصادي والطاقة المتجددة والاقتصاد الدائري وغيرها من القطاعات ذات الأثر.

كما يسمح ببناء شراكات بين رأس المال الوقفي ورأس المال الخاص والمؤسسات التنموية، دون التفريط بخصوصية الوقف أو أحكامه الشرعية.

وهنا لا يعود دور الحكومة إدارة الأوقاف نيابة عن المجتمع بقدر ما يصبح بناء البيئة التي تجعل الوقف مستقلاً ومحكوماً وشفافاً وقادراً على الاستثمار.

ثلاثة قرارات لا تحتمل التأجيل

وإذا أردنا نقل هذه الفكرة من الدراسات والمؤتمرات إلى السياسات العامة، فإنني أرى أولوية ثلاثة مسارات تنفيذية مترابطة:

أولها، تحديث التشريعات الوقفية بما يسمح بهياكل أكثر مرونة واستقلالية، ويستوعب الوقف النقدي والصناديق والصكوك والاستثمار الوقفي المشترك، مع بناء إطار رقابي قائم على الحوكمة والمخاطر بدلاً من الرقابة الإجرائية وحدها.

وثانيها، إعادة هيكلة المؤسسات الوقفية الكبرى وفق نموذج مؤسسي واضح يفصل بين الحوكمة والتنفيذ والرقابة، ويبني وظائف متخصصة للاستثمار وإدارة المخاطر والرقابة الشرعية وقياس الأثر، مع استثمار جاد في الكفاءات البشرية والتحول الرقمي.

وثالثها، الانتقال إلى الإفصاح عن الأثر؛ بحيث تصدر المؤسسات الوقفية الكبرى تقريراً سنوياً لا يكتفي بالقوائم المالية، بل يوضح كذلك ما تحقق من أثر اقتصادي واجتماعي، وما تحقق من استدامة للأصول وكفاءة في توظيفها.

وهذه ليست متطلبات تجميلية،،، إنها البنية التي يمكن من خلالها إعادة الثقة بالقطاع الوقفي، واستقطاب أوقاف جديدة، وتحويل الثروات الخاصة إلى رؤوس أموال مستدامة تخدم أولويات المجتمعات والدول،،، ويمكن البدء ببرنامج وطني مرحلي لتطوير القطاع الوقفي، ينطلق من تقييم الأصول والحوكمة والمخاطر، وينتقل إلى تحديث الأطر التشريعية والمؤسسية، وينتهي بإلزام المؤسسات الوقفية الكبرى بالإفصاح الدوري عن الأداء المالي والاستثماري والأثر التنموي، وفق متطلبات تتناسب مع أحجامها وطبيعة أعمالها.

من إدارة الوقف إلى إعمار المستقبل

لدينا اليوم فرصة حقيقية لإعادة اكتشاف الوقف، بالبناء على إرث الماضي، واستعادة منطقه الحضاري وتطوير أدواته للمستقبل.

والتحول المطلوب لا يبدأ بشراء أصل جديد، ولا بتأسيس صندوق جديد، وإنما يبدأ بإعادة تعريف معيار النجاح نفسه،،، هل المؤسسة الوقفية موجودة لكي تدير ما لديها، أم لكي تصنع بما لديها قيمة مستدامة؟،،، فالوقف لا يصبح عظيماً بكبر أصوله، وإنما بقدرته على تحويل هذه الأصول إلى أثر يبقى بعد أن تنتهي الأرقام والتقارير السنوية.

وعندما تصبح الحوكمة وسيلة لحماية الأمانة، والاستثمار وسيلة لتنمية الأصل، وإدارة المخاطر وسيلة لحماية الاستدامة، وقياس الأثر وسيلة للمساءلة؛ فإننا نكون قد انتقلنا فعلاً من منطق إدارة الوقف إلى منطق إعمار المجتمع.

وعندها فقط يعود السؤال إلى مكانه الصحيح،،، ليس كم نملك من الأوقاف؟ بل كم تستطيع أوقافنا أن تصنع من مستقبل؟

* مستشار المصرفية الإسلامية والحوكمة والاستثمار والتحول المؤسسي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :