تخيل أن تدخل بيتك بعد يوم طويل، فتكتشف أن أثاثه لم يعد جميلا كما كنت تراه صباحا، وأن ملابسك فقدت أناقتها، وأن رحلتك الأخيرة لم تكن تستحق كل تلك السعادة التي شعرت بها. لم يتغير شيء في البيت، ولا في الملابس، ولا في الرحلة. كل ما حدث أنك أمضيت نصف ساعة تتنقل بين صور الآخرين على هاتفك، وعدت منها بعينين لا تعرفان كيف تحبان ما تملكان. كأن أحدهم تسلل إلى رأسك، وعبث بموازين الأشياء، ثم خرج دون أن يترك بصماته.
يسمي الباحثون هذا الشعور «الاغتراب الرقمي»؛ أن تصبح غريبا عن حياتك بعدما تقضي وقتا في حياة الآخرين. وليس ضروريا أن تكون تلك الحياة حقيقية. يكفي أن تراها تتكرر أمامك حتى تكتسب سلطة الحقيقة. بيوت بألوان متشابهة، وأجساد بمقاسات متشابهة، وأعراس تتكرر فيها الزينة والضحكات والحركات نفسها. حتى المفاجآت صارت تحتاج إلى سيناريو، والحب إلى مصور محترف. والمثير أن الجميع يحاولون إظهار اختلافهم، فينتهي بهم الأمر إلى التشابه على نحو محير.
لعل أخطر ما تفعله هذه المنصات أنها تنقل المقارنة من الأشياء إلى الإنسان نفسه. يبدأ الأمر بإعجاب عابر بغرفة نوم، ثم يتسلل الشك إلى شكل الجسد، وطبيعة العمل، ومستوى الدخل، وحتى مقدار السعادة التي ينبغي أن نشعر بها. وهكذا يتحول المرء إلى مفتش دائم عن نواقصه، يبحث عنها في مرآة صنعها غرباء، ويحاسب نفسه على حياة لم يختر شروطها.
في تقرير السعادة العالمي لعام 2026 إشارات تستحق التأمل بشأن العلاقة بين الاستخدام المكثف لبعض المنصات البصرية وتراجع الرفاه النفسي لدى الشباب. فالخوارزميات لا تكتفي بعرض ما نحب؛ إنها تتعلم ما يستوقفنا، ثم تواصل إطعامنا منه، حتى يصبح الاستثناء مألوفا، والترف معيارا، والحياة العادية إخفاقا شخصيا. والمفارقة أن الإنسان قد يعرف أن الصورة مصنوعة، ثم يحزن لأن حياته لا تشبهها.
أما الشبان، الذين لا تزال صورتهم عن أنفسهم في طور التشكل، فيواجهون امتحانا أشد قسوة. كيف يمكن لفتى أن يصادق جسده وهو يرى آلاف الأجساد المعدلة؟ وكيف لفتاة أن تحب وجهها حين يسبقها إلى المرآة وجه رقمي أكثر نعومة؟ وحتى الأكبر سنا يجدون غربتهم الخاصة أمام لغة تتبدل، وخدمات تنسحب من الشارع إلى الشاشة، وعلاقات يزداد عددها فيما يقل دفؤها.
والآن، عد إلى حياتك. انظر إلى الأثاث الذي ضاق في عينيك، وإلى الملابس التي خجلت منها، وإلى صور الرحلة التي فقدت بريقها. ستكتشف أن أحدا لم يسرق منك شيئا، وأن كل ما تحبه لا يزال في مكانه. السرقة حدثت في موضع أخطر؛ في المسافة بين عينيك والأشياء. فما أقسى أن يمتلك الإنسان حياته كاملة، ثم يحتاج إلى موافقة غرباء ليقتنع بأنها حياته.
الدستور