حين يفضح العربي خطاياه على مواقع التّواصل الاجتماعي!
سعيد خطيبي
12-10-2026 11:54 PM
وُلدت مواقع التّواصل الاجتماعي في بيئة تؤمن بالكلمة، في الغرب حيث الحرية حقّ مشاع، جاءت من بين جنبات فضاء رحب من الجدل كان يدور في الواقع، وكأنها منصة عاكسة أو حاضنة للاختلاف، وليست بديلًا عن الواقع، بل مكمّلة له. لأن الإنسان الغربي ينتقل إليها فيمارس العادات التي ألفها في حياته اليومية، والأزمة في هذه المواقع لا تتعلّق بشكلها ولا نظام خدمتها، بل في البيئة التي تتواجد فيها. فعندما انتقلت إلى العالم العربي بات الأمر أشبه بنقل بذرة من تربة إلى أخرى، من غير أن نفحص التّربة الجديدة أو نعلم أن كانت تربة خصبة وتصلح للزّرع والإثمار.
إن انتقال مواقع التوّاصل الاجتماعي خارج حدود الغرب كان أول امتحان عسير لها، وهذا الانتقال كان المغامرة الأولى من أجل حسم سؤال: هل سوف تؤدي المهام ذاتها أم تنقلب عليها؟ لقد تعرّضت هذه المواقع إلى هزّات عقب وصولها إلى بيئة عربية، حيث الحرية تخضع لأكثر من تأويل، بل إن كلّ شخص يعرّف هذه الكلمة، حسب موقعه وحسب هواه، ومن النادر أن نقابل عربيين اثنين ينطقان بتعريف مشترك لكلمة حرية.
ومن هنا يبدأ التشنج الذي تخوض فيه الـ»سوشيال ميديا»، لأن كلّ فرد يظنّ أن الآخر يشبهه ويتوافق معه في الرّأي، بينما الحقيقة تفيد أن كلّ واحد يحيا في جزيرة تعزله عن غيره. إن الحرية الغائبة على أرض الواقع والكلمة المقيّدة في حياة العربي لا يمكن أن تتحوّل إلى حرية متاحة أو كلمة مجردة من القيود، بمجرد القفز إلى مواقع التّواصل.
انفصام في الحياة العربية
إن هذه المنصات جاءت من أجل أن تعكس شروط الحياة العادية، فصار دورها أن باتت تفضح انفصام الحياة العربية، إنّها تضع العربي في مواجهة خطاياه لا التّغاضي عنها. لذلك تظهر قطيعة بين حياة النّاس، بين الواقع والمواقع، إن الحياة التي يدورون فيها كلّ يوم ليست بالضرورة مطابقة لصورتهم في مواقع التّواصل، إن الصورة التي يروّجون لها في فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك، ليست بالضرورة مكمّلة لما يعرفونه في الشوارع أو الأزقة التي يخوضون فيها.
هنالك هوّة بين عالمين، وهي هوّة في تضاعف كلّ مرّة، ويبدو أن العربي ينحاز إلى تصديق صورته المبتكرة في مواقع التواصل، وهي صورة يبذل جهدًا في التسويق لها، بدل أن يتحمل مآزق مساراته اليومية، يودّ أن يهدم الصورة التي يعرفه بها الأهل والأقارب والجيران وينتحل صورة مستعارة أمام جمهور رقمي.
يريد أن يجعل من مواقع التّواصل الاجتماعي مسحوق تجميل يمحو به الحياة المسحوقة التي يكبر فيها، وهي حياة تتوارى فيها مفاهيم الحرية والحقّ في الكلام أو إبداء الرّأي.
العربي والحسابات الوهمية
إذا الغرب اخترع مواقع التّواصل فإن العربي اخترع الحسابات الوهميّة في مواقع التّواصل الاجتماعي، وهذه الخطوة يرجى منها أن ينجو من المحاكمات الأخلاقية، وكذلك أن يمحو ما يعرفه في الحياة وما يعرفه عنه الآخرون ويلبس بالتّالي ثوبًا أكبر من مقاسه من غير أن يبالي به أحد، يتوارى عن الأنظار خلف اسم وصورة مزيفين ثم يمارس حريّته.
وكأن الحرية صارت مشروطة بتغيير الهوية في نظر البعض، يدركون أن الكلام في الفضاء الرّقمي باسمهم وصورتهم الحقيقيين يترتب عنه تبعات، بالتّالي يختفون وراء جدار وحسابات مزيّفة كي يمارسوا أشياء يتعذّر عليهم التّفكير فيها في أيّامهم الحقيقية. يجدون متسعًا من إبداء الرّأي من غير أن يتعرض إليهم أحد.
إن الحسابات الوهمية توفر لهم غطاءً وتتيح لهم ما عجزوا عنه. ومن خلالها يجربون مغامرة لم يسبق لهم الخوض فيها من قبل.
لذلك لا نتفاجأ إزاء جحافل الحسابات المزيفة التي تعج بها الـ»سوشيال ميديا» في البيئة العربية، إنها تعبير عن الحالة السائدة حيث قول الحقيقة أو مخالفة الشائع من الممنوعات.
فكلّ واحد يودّ أن يبدي رأيا من غير أن يصادر حقّه الآخرون يلجأ إلى حساب مزيّف، لأن مصادرة الرّأي زادت مع تضاعف المستخدمين، فلم يعد الرّقيب يحتاج إلى عمل، بل نابت عنه جماهير رقمية، تتقاتل في ما بينها مثلما تتقاتل جماهير التّشجيع في كرة القدم، وهذه الجماهير تطارد كلّ من يبوح بكلام لا يليق بالأغلبية.
إن النّقاش والتّباري في الرّأي من النوّادر في العالم العربي، بل كل رأي خارج المتعارف عليه تواجهه رقابة رقمية.
هذا الأمر أودى بأن النّاس صاروا لا يشعرون بأمان في استخدام هذه المواقع، صاروا يتعمّدون الحذر في استخدامها، يدركون أن هناك من يترصّدهم، وهناك من يودّ الإطاحة بهم أو الإساءة إليهم.
حلبة نزال ومنصات اتكالية
لقد صارت هذا المواقع في البيئة العربية مثل حلبة نزال، يستلزم الدّخول إليها تمارين شاقّة في التعاطي مع سوء الكلام وسوء التّأويل، وبدل أن تتحوّل مثل الغرب إلى منصات يشفي فيها الإنسان فضوله وكفى.
باتت منصات اتّكالية، يدخل إليها مستخدمون في تبني أفكار آخرين لا أن يبلوروا أفكارًا تخصهم، لأن المواطن العربي يضيع في ضجيج الأصوات التي تتداخل فيها، من غير أن نغفل أنها تحوّلات كذلك إلى منصات استهلاكية، تعلو فيها قيمة السلع على حساب القضايا الفكرية، يروّج فيها «ترند» استهلاكي على حساب «ترند» معرفي، وإذا وقعت مصيبة في الحياة فإن التضامن يقتصر على صورة مولدة بالذّكاء الاصطناعي، يجري تداولها من حساب إلى آخر على مواقع التواصل، بينما الواقع لا يتغيّر شيء منه.
القدس العربي