المؤرخ العقيلي يقرأ تاريخ فلسطين بين الفتحَين العمَري والأيوبي
22-10-2026 10:50 AM
عمون - منذ أن دخلت فلسطين في التاريخ الإسلامي، ظلّت مكانتها تتجاوز حدود الجغرافيا، بما تمثّله من ثقل ديني وحضاري، وبما جعلها عبر القرون موضع تنافس القوى الساعية إلى السيطرة على بلاد الشام. وبين فتح بيت المقدس في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، واستعادته على يد صلاح الدين الأيوبي عقب معركة حطين، تمتد حقبة تاريخية حافلة بالتحولات السياسية والعسكرية، وبالصراع على الأرض والهوية، وبمحاولات فرض النفوذ وتغيير ملامح المكان.
في هذا السياق، يأتي كتاب "فلسطين بين فتحَين" للمؤرخ الأستاذ الدكتور محمد إرشيد العقيلي، الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن عام 2026، ليقدّم قراءة تاريخية لمسار فلسطين منذ عصورها القديمة، مروراً بالفتح الإسلامي والعصور التي تلته، وصولاً إلى الحروب الصليبية والتحرير الأيوبي، ثم الدور المملوكي في إنهاء الوجود الصليبي في بلاد الشام. ويستعيد الكتاب محطات مفصلية من تاريخ المنطقة، مستخلصاً دلالاتها السياسية والحضارية، ومضيئاً ما يراه المؤلف من أوجه التشابه بين التجربة التاريخية في مواجهة الصليبيين والتحديات التي تواجه فلسطين في العصر الحديث.
يضم الكتاب الذي يقع في 384 صفحة من القطع الكبير، اثني عشر فصلاً ومقدمة وخاتمة. ويتناول الفصل الأول تاريخ فلسطين القديم حتى ظهور الإسلام، ويستعرض الفصل الثاني الوجود العربي في بلاد الشام وفلسطين والممالك التي تعاقبت عليها والقبائل العربية التي استقرت فيها. أما الفصل الثالث فقد خُصص لطلائع الفتح الإسلامي لبلاد الشام وفلسطين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويتوقف الفصل الرابع عند حركة الفتح الإسلامي في العهد الراشدي، وفتح دمشق وفتح بيت المقدس وقيسارية، وبقية مناطق فلسطين. ويتحدث الفصل الخامس عن تاريخ فلسطين خلال الحكم الأموي، ويدور الفصل السادس حول تاريخ فلسطين خلال العصر العباسي الأول، وموقف أهل فلسطين من هذا الحكم، ومسألة مزاعم حماية شارلمان لبيت المقدس.
ويستعرض الفصل السابع تاريخ فلسطين من العهد الطولوني إلى العهد الفاطمي، أما الفصل الثامن فيتحدث عن الغزو الصليبي لبلاد الشام وفلسطين، وإنشاء الممالك الصليبية وفي مقدّمتها مملكة بيت المقدس. ويركز الفصل التاسع على بوادر التوحيد على يد آل زنكي: عماد الدين وابنه نور الدين، وموقفهما من صراع القوى في العالم الإسلامي. ويشرح الفصل العاشر دور صلاح الدين الأيوبي في استكمال ما بدأه الزنكيون في رفع راية الإسلام بعد إسقاط الخلافة الفاطمية في مصر، وتوحيد بلاد الشام ومصر.
ويتناول الفصل الحادي عشر النظم الإدارية في فلسطين في العهدين الصليبي والأيوبي، وكيف حاول الصليبيون أن يطبعوا فلسطين بطابعهم، وأن يزيلوا الطابع الإسلامي دينيّاً وحضاريّاً. أما الفصل الثاني عشر والأخير فيركز على الدور المهم الذي اضطلع به المماليك، بعد أن آل إليهم حكم مصر وبلاد الشام، في إيقاف الزحف المغولي في عين جالوت، وفي استئصال الوجود الصليبي من بلاد الشام وفلسطين من جذوره.
ويبين المؤرخ العقيلي في الفصل الأول من كتابه أن فلسطين كانت في تاريخها القديم والوسيط جزءاً من بلاد الشام وامتداداً طبيعيّاً للجزيرة العربية، كما أنها في تاريخها الحديث والمعاصر "قلب الوطن العربي". ويؤكد أن موقع فلسطين الاستراتيجي أكسبها أهمية خاصة عبر القرون، فقد كانت معبراً للجيوش الغازية من الشرق إلى الغرب أو العكس، واتضح ذلك منذ غزو الفرس للغرب أو الغزو اليوناني للشرق إلى حملة نابليون على مصر، وحتى في الحرب العالمية الأولى، فقد كانت معبراً لجيوش الحلفاء.
ويشرح العقيلي كيف أن هذا الموقع المهم لفلسطين "أسال لُعاب الفاتحين على مر العصور، وكان سلاحاً ذا حدين، فهو نقمة ونعمة على أهلها في آنٍ واحد، ما جعل مصالح الاستعمار الغربي تلتقي مع مصالح الحركة الصهيونية في إقامة وطن قومي لليهود فيها". فقد كانت فلسطين خط الدفاع الأول لنظام الحكم في مصر ضد القوى المعادية له في بلاد الشام خلال العصور الإسلامية، وكذلك خط الدفاع الأول لأنظمة الحكم في بلاد الشام ضد القوى المعادية لها في مصر.
ويذكر المؤرخ العقيلي أن حركة المد الإسلامي سرعان ما حرَّرت بلاد الشام عامة، وفلسطين خاصة (بما فيها بيت المقدس) من أيدي الروم، ويقول في ذلك: "وكان فتح عمر بن الخطاب لبيت المقدس قد ربط أولى القبلتين وثالث الحرمين بمكة، لتصبح بذلك فلسطين كغيرها من الأقطار الإسلامية، عربية إسلامية، فاعتنق سكانها الإسلام، وطبع حياة سكانها بالطابع العربي الإسلامي كليةً، وسادتها الحضارة بشكل يعبر عن الحضارة الإسلامية في العالم الإسلامي".
ويوضح أن فلسطين ظلت عربية إسلامية منذ الفتح العربي لها، وحتى العصر الحديث باستثناء تلك الفترة التي ظلت خلالها تحت الغزو الصليبي الذي حاول طمس هويَّتها.
ويؤكد العقيلي أن "ثمة تشابهاً كبيراً بين مواجهتنا اليوم للحركة الصهيونية وبين مواجهة آل زنكي وصلاح الدين والمماليك للصليبيين، وأن هناك دروساً كثيرة علينا أن نستخلصها من خلال استقراء التجربة الإسلامية مع الصليبيين، يأتي في مقدمتها أن صلاح الدين أدرك أنه قبل أن يخوض حرباً فاصلة ضد الصليبيين، لا بد له مع وضع حدٍّ لحالة التشرذم العربي بين مصر وبلاد الشام، وأن التقاء الأقطار المحيطة -ولو جزئيّاً- كفيل بأن يكون الأساس القوي لبداية النهاية للوجود الصليبي في بلاد الشام ومصر".
ويتتبع العقيلي أوجه التشابه بين الحركة الصهيونية والحملة الصليبية، فقد "ولّدتهما تفاعلات اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية في القارة الأوروبية، كما أن هدف كلٍّ منهما التوسع لتمزيق الأمة العربية الإسلامية تحت ستار الدين للاستيطان في أرض (الميعاد) لأن الحركتين انبثقتا من أيديولوجية واحدة، وهي الارتباط بالوعد المقدس وشعب الله المختار". ويضيف أن الحركتين كلتيهما "تجمعهما فكرة الغربة الحضارية، فهما قادمتان من خارج المنطقة، وهما في الأصل جزء من العالم الغربي"، مؤكداً أن الحركة الصليبية ما كان لها أن تنجح في السيطرة على فلسطين وبلاد الشام لو لم تلقَ دعماً شاملاً من أوروبا، وكذلك الحال بالنسبة للحركة الصهيونية؛ التي ما كان لها أن تتغلغل في فلسطين وتتطلَّع إلى التوسع لو لم تلقَ مساندة مطلقة من الدول الكبرى في الغرب والشرق على السواء، والعامل الأهم هو "حالة التمزق والتفكك والتشرذم التي عاشتها الأمة العربية عشية الحروب الصليبية، كما عاشتها عشية العدوان الصهيوني على فلسطين منذ مطلع القرن العشرين".
ويركِّز المؤرخ العقيلي على أهمية الوحدة "لمواجهة الخصوم واستئناف ما كان للأمة العربية من عزة وسؤدد، والاستعداد الصادق ماديّاً وروحيّاً، والاستفادة من كل معطيات هذه الأمة العظيمة المتوافرة".
يذكر أن الأستاذ الدكتور محمد إرشيد العقيلي حصل على شهادة البكالوريوس في تخصص التاريخ من جامعة دمشق سنة 1963، ونال شهادة دبلوم الدراسات العليا في التاريخ سنة 1972، ثم حصل على شهادة الدكتوراة في التاريخ من جامعة القديس يوسف/ لبنان سنة 1978، عمل في الأردن موجهاً، وتدرج بمراكز إدارية في وزارة التربية والتعليم، منها مدير للتربية والتعليم في عدد من المحافظات، ثم عمل في مركز الوزارة مديراً للتخطيط والبحث التربوي. كما عمل محاضراً غير متفرغ في قسم التاريخ بكلية الأداب في الجامعة الأردنية بين عامَي 1978 و1981. أعير إلى جامعة الإمارات العربية المتحدة بين عامَي 1981 و1994 للتدريس وتأسيس قسم التاريخ بكلية الآداب في جامعة الإمارات، ثم عاد إلى الأردن وعمل أستاذاً ومحاضراً في جامعة فيلادلفيا، ثم التحق بجامعة جرش للعمل نائباً لرئيس الجامعة. ألّف مؤلفات عدة منها: "الخليج العربي في العصور الإسلامية"، و"الشيعة: نشأتها وتطورها حتى أواسط القرن الثالث الهجري"، كما أعدّ ونشر العديد من الأبحاث، وشارك في مؤتمرات إقليمية تخص التاريخ الحديث والقديم.