عندما يغيب المسؤول .. هل تستمر المؤسسة؟
د.عبدالله القضاة
22-10-2026 11:12 AM
في الإدارة العامة، لا تبدو الإجازة السنوية المتصلة مجرد حق وظيفي أو فترة للراحة، بل تتحول أحيانًا إلى اختبار حقيقي لمدى نضج المؤسسة وقدرتها على العمل من دون ارتباطها بشخص واحد. فتردد بعض المسؤولين في الابتعاد عن مكاتبهم، بدافع الحرص على المصلحة العامة أو الاعتقاد بأن المعاملات ستتعطل في غيابهم، يفتح سؤالًا أعمق: هل تعمل مؤسساتنا وفق أنظمة وصلاحيات واضحة، أم أنها ما تزال تعتمد على الحضور الشخصي للمسؤول ومتابعته المباشرة؟
المؤسسة التي تتعثر أعمالها بغياب مديرها، أو تتراكم معاملاتها لعدم وجود من يملك صلاحية القرار، تحتاج إلى مراجعة منظومة التفويض والإجراءات وإعداد البدائل. فالإخلاص والاجتهاد لا يعوضان غياب نظام مؤسسي يضمن استمرارية الأداء، كما أن احتفاظ المسؤول بمعظم الصلاحيات يحد من نمو قدرات فريقه ويؤخر إعداد قيادات الصف الثاني القادرة على تحمل المسؤولية.
ومن هذا المنطلق، تمثل الإجازة المتصلة فرصة عملية لقياس جاهزية المؤسسة: هل يعرف الموظفون أدوارهم؟ هل تعمل الصلاحيات المفوضة بوضوح؟ وهل يستطيع البدلاء اتخاذ القرارات في الوقت المناسب؟ إن نجاح القائد لا يقاس بما ينجزه بنفسه فقط، بل بقدرته على بناء فريق مؤهل، وتوزيع المسؤوليات، وتوثيق الإجراءات، وترك المؤسسة قادرة على مواصلة العمل بكفاءة في غيابه.
ولتحويل هذا المبدأ إلى ممارسة إدارية، يمكن اعتماد ترتيبات واضحة تضمن حصول القيادات على إجازاتهم، مع تحديد البدلاء وتفويض الصلاحيات قبل المغادرة، وتوثيق القرارات والإجراءات، وإدراج الالتزام بذلك ضمن مؤشرات تقييم الأداء.
كما ينبغي تحليل نتائج كل إجازة للكشف عن مواطن الضعف ومعالجتها، مع مراعاة طبيعة الوظائف الحيوية والظروف الاستثنائية دون تحويل الاستثناء إلى قاعدة.
إن جوهر التحديث الإداري ليس تغيير الهياكل فحسب، بل بناء مؤسسات تستمر أعمالها بوجود الأشخاص أو في غيابهم. فالمسؤول الناجح لا يترك فراغًا حين يغادر، بل يترك فريقًا أكثر ثقة وخبرة، ونظامًا أوضح، ومؤسسة أقوى. وحين تصبح الإجازة المتصلة ؛لمدة لاتقل عن عشر أيام سنويا لكل قائد؛ ممارسة طبيعية لا مصدر قلق، نكون قد اقتربنا من إدارة عامة أكثر نضجًا واستدامة.