حين يثمر الحلم وطنًا .. مركز زها الثقافي وسيرة التميّز العربي
ليالي العموش
22-10-2026 10:52 AM
ليست الجوائز الكبرى سوى محطاتٍ تتوقف عندها المؤسسات لتتأمل ما أنجزته من أثر في حياة الناس، لكنها في الوقت ذاته بداية لرحلة جديدة من المسؤولية والطموح. وحين حصد مركز زها الثقافي جائزة التميز المؤسسي العربية لعام 2026 في مجال الإعلام المجتمعي ونشر ثقافة العمل التطوعي، لم يكن ذلك مجرد تكريمٍ لمؤسسة ثقافية، بل احتفاءً بتجربة أردنية أثبتت أن الاستثمار في الإنسان هو أعظم أشكال الاستثمار وأكثرها بقاء.
ومنذ انطلاقته تحت مظلة أمانة عمّان الكبرى، التي شكلت الحاضنة الرئيسة للعديد من المشاريع الثقافية والتنموية الرائدة، استطاع مركز زها الثقافي أن يرسم لنفسه مسارًا مختلفًا، قائمًا على جعل الثقافة متاحة للجميع، وتحويل المعرفة إلى فرصة، والإبداع إلى ممارسة يومية، والعمل التطوعي إلى قيمة راسخة في وجدان الأجيال. لقد أدركت الأمانة مبكرًا أن بناء المدن لا يقتصر على الطرق والمباني والخدمات، بل يتطلب بناء الإنسان القادر على صناعة المستقبل، فكانت مراكزها الثقافية منصات إشعاع معرفي ومجتمعي امتدت آثارها إلى مختلف أنحاء المملكة.
وفي قلب هذه المسيرة تقف صاحبة السمو الملكي الأميرة عالية كريمة توفيق الطباع، رئيس المجلس الإشرافي للمركز، بوصفها واحدة من أبرز الداعمين للمشروع الثقافي والتنموي الذي يحمله زها. فمن خلال رؤيتها الإنسانية العميقة، تحوّل المركز إلى مساحة رحبة تحتضن الأحلام الصغيرة وتمنحها فرصة النمو، وتفتح الأبواب أمام الأطفال واليافعين والشباب لاكتشاف مواهبهم وتنمية قدراتهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.
وقد ارتكزت هذه الرؤية على إيمان راسخ بأن الثقافة ليست نشاطًا مكمّلًا للحياة، بل عنصرًا أساسيًا في تشكيل الوعي وصناعة الشخصية. لذلك حمل المركز رسالة تتجاوز حدود البرامج والدورات، ليصبح مشروعًا وطنيًا يسهم في ترسيخ قيم الإبداع والانتماء والمواطنة والمسؤولية المجتمعية، ويمنح الأجيال الجديدة أدوات التفكير والمعرفة التي تؤهلها لمواجهة تحديات المستقبل.
وإذا كانت الرؤى العظيمة تحتاج إلى إدارة قادرة على تحويلها إلى واقع ملموس، فإن عطوفة رانيه صبيح، المدير التنفيذي لـ مركز زها الثقافي، قدمت نموذجًا لقيادة تنفيذية آمنت بالعمل المؤسسي وبأهمية ترجمة التوجيهات والرؤى إلى مبادرات حقيقية تلامس حياة الناس. وقد استطاعت من خلال جهودها المتواصلة أن تعزز حضور المركز على المستويين الوطني والعربي، وأن توسع من نطاق برامجه وخدماته، بما يتواءم مع التوجيهات الملكية السامية الهادفة إلى تمكين الشباب ورعاية الإبداع وترسيخ العمل التطوعي بوصفه ممارسة حضارية تسهم في تنمية المجتمع.
وتجلت هذه الجهود في منظومة متكاملة من البرامج النوعية التي أتاحت لآلاف الأطفال والشباب فرص التعلم والإبداع والمشاركة المجتمعية، ووفرت بيئات آمنة ومحفزة لاكتشاف المواهب وصقلها. كما أسهم المركز في بناء شراكات واسعة عززت أثره المجتمعي ورسخت مكانته بوصفه إحدى التجارب الأردنية الرائدة في العمل الثقافي والتطوعي.
إن ما يميز تجربة مركز زها الثقافي ليس عدد البرامج أو حجم الإنجازات فحسب، بل قدرته على تحويل الثقافة إلى قوة ناعمة تصنع الفرق في حياة الأفراد والمجتمعات. فهنا يصبح الكتاب نافذة على العالم، والفن مساحة للتعبير، والتطوع مدرسة للمواطنة، والإبداع طريقًا نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
ولذلك جاء هذا التتويج العربي مستحقًا، لأنه يعكس مسيرة عمل امتدت لسنوات، قامت على رؤية إنسانية نبيلة، ودعم مؤسسي مؤمن بدور الثقافة في التنمية، وجهود متواصلة قادتها شخصيات كرّست وقتها وخبرتها من أجل الارتقاء بالإنسان الأردني. وهو إنجاز يضاف إلى سجل الإنجازات الوطنية التي تؤكد أن الأردن، بقيادته ومؤسساته وكفاءاته، ما زال قادرًا على تقديم نماذج عربية ملهمة في مجالات الثقافة والإبداع والعمل المجتمعي.
وهكذا يمضي مركز زها الثقافي في رسالته، مستندًا إلى دعم أمانة عمّان الكبرى، وإلى رؤية سمو الأميرة عالية الطباع، وإلى الجهود التنفيذية لعطوفة رانيه صبيح وفريق العمل، ليبقى منارةً ثقافية تزرع الأمل والمعرفة والإبداع في نفوس الأجيال، وتؤكد أن الأثر الحقيقي للمؤسسات يُقاس بما تتركه من بصمة في الإنسان قبل أي شيء آخر.
* كاتبة وشاعرة وباحثة أردنية
layalyalemosh@yahoo.com