بعد الانتخابات الإسرائيلية .. إسرائيل تواجه تحديا في مستقبل هويتها
نور الدويري
01-11-2026 12:45 AM
تشكل نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة خارطة سياسية للشكل السياسي في إسرائيل بل وتضعها للمرة الأولى أمام مأزق بنيوي غير مسبوق، فمع إعلان النتائج النهائية فجر 30 تشرين الأول وتصدّر نتنياهو المشهد بـ 53 مقعداً، يليه آيزنكوت بـ 48 مقعداً، يؤكد انشقاق الصف وتشتت السياسي الداخلي لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الكتلة العربية التي نجحت بكسب 19 مقعداً و التي تحولت إلى شوكة في الحلق إذ تفرض واقعاً يرفضه اليمين والوسط معاً مما يجعل نتنياهو خاسرا وايزنكوت حذرا!.
فبينما يرفض نتنياهو بالمطلق أي تحالف مع العرب يبدو آيزنكوت حذراً للغاية، لأن إشراكهم يعني منحهم دوراً سياسياً مؤثراً داخل الحكومة وهو ما تراه النخب الصهيونية تهديداً لهوية الدولة ونسفاً لمرتكزاتها.
أمام هذا الانسداد يبرز سيناريو حكومة تسيير أعمال وإعادة الانتخابات في ربيع 2027 كمسار أكثر ترجيحاً عل وعسى تعيد المعسكرات المتنازعة فتح قنوات أخرى تستوعب المفاجأة وتتعامل معها ليعطي هذا المسار نتنياهو وقتاً أطول في السلطة، مستفيداً من صلاحيات رئيس حكومة تصريف الأعمال في إدارة الملف الأمني وإقرار ميزانيات طوارئ دون غطاء برلماني مستقر.
في المقابل سيكون الوقت فرصة لآيزنكوت لإعادة ترتيب أوراقه واستقطاب أطراف من اليمين، بينما ستسعى الأحزاب العربية لتثبيت صفوفها ككتلة حرجة لا يمكن تجاوزها، اما إذا تشكلت حكومة هشة رغم ذلك فإن وجود صوت عربي قوي سيجعلها عرضة للابتزاز السياسي والانهيار عند أول اختبار وهو تغير مسار تاريخي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني وتطور في شكل العلاقه مع دول الطوق.
إذ يكشف المشهد مفارقة عميقة ان الحرب المركبة التي قادها نتنياهو شقت الصف الإسرائيلي وعمّقت شروخه لكنها دفعت فلسطينيي الداخل (عرب 48) في الاتجاه المعاكس تماماً، نحو التكاتف والالتفاف حول هويتهم وصناديق الاقتراع فكلما زادت العنصرية والتوغل في الضفة وغزة، تولّد وعي جماعي أكبر لدى عرب الداخل لمواجهة التهميش.
هذا التمترس يضع إسرائيل أمام عاصفة داخلية تتزامن مع ملفات حارقة مثل تجنيد الحريديم وأزمة السيطرة على القضاء، لتفرز هذه التناقضات ردود فعل متباينة، بين تصاعد الهجرة العكسية للنخب الليبرالية، وبين مزيد من الاحتقان والصدام في الشارع.
وللهروب من أزماتها البنيوية، قد تتجه إسرائيل نحو تصدير الأزمة فلا يُستبعد دفع الحدود الشمالية مع الأردن نحو مزيد من الاحتقان، لإعادة توحيد الجبهة الداخلية خلف تهديد خارجي مصطنع لا سيما ان الجنوب السوري معضلة في ملف الحكومة السورية.
في خضم هذا الشلل يتشابك كل ذلك مع الموقف الأمريكي ليزيد الأمر تعقيدا فواشنطن التي تتابع الانسداد بحذر، تفضل خلف الكواليس دفع نتنياهو وآيزنكوت نحو حكومة وحدة وطنية هدفها إقصاء وجوه اليمين المتطرف التي تحرج الإدارة وتعرقل ترتيبات المنطقة. لكن في حال فشل هذا المسار والذهاب لسيناريو ربيع 2027، ستتعامل واشنطن مع حكومة تسيير الأعمال كأمر واقع مع التركيز على استقرار التنسيق العسكري وبالتوازي يبرز ضغط متنامٍ من الأوساط الليبرالية الأمريكية التي تطالب بجرأة بدمج الكتلة العربية لإنهاء ظاهرة نتنياهو، محذرة من أن استمرار العنصرية السياسية سيعمق الشرخ التاريخي مع الحزب الديمقراطي ويهدد الإجماع الأمريكي الداعم لتل أبيب.
اخيرا لا يبدو أن تداعيات هذه الانتخابات ستقف عند حدود الشرق الأوسط وحسابات القوة فيه، بل ستشكل مستقبل إسرائيل وبنيته السياسية وعلاقاته الدولية أمام عملية إعادة صياغة جذرية.
الدستور