facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





مفارقات تستحق التوقف


د.رحيل الغرايبة
18-09-2015 03:27 AM

هناك مفارقات عجيبة تجري في مجتمعاتنا المنكوبة؛ وتعبر عن خلل كبير في الأفهام والتصورات، وتشكل أحياناً انحرافاً خطيراً في الرؤية الإنسانية لدى بعض المثقفين، أو لمن يدعي الانتساب إلى الطبقة المثقفة، وهنا مكمن الخطر، مما يجعلها محلاً للتوقف وإعادة الحوار والمناقشة، من أجل التعاون على ترتيب الأولويات بشكل جماعي.

أود أن أبدأ بالتأكيد المؤكد أولاً على أهمية الآثار» ومكانتها الثقافية ، وأنها تشكل عصارة الجهد الإنساني، وثمرة العلم والمعرفة المتراكمة لدى الشعوب والأمم كما أنها تمثل شاهداً صادقاً على التقدم الحضاري الذي وصلته التجمعات البشرية في حقبة ما من حقب التاريخ، كما أنها في مجملها تمثل كتاباً مفتوحاً بين يدي الأجيال المتتابعة، من أجل القراءة والعِظة والدرس، ومن أجل مواصلة البناء، ومواصلة الإنجاز المتراكم، وهذا كله يستدعي المحافظة على الآثار وصيانتها وحفظها وتسجيلها وتوثيقها، وجعلها ثروة وطنية، وإنجازاً حضارياً يستحق التخليد، وفي هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أن الدين دعى إلى ذلك وحض عليه، من خلال المقصد الذي ذكرته الآيات القرآنية في أكثر من موضع في عدة تعبيرات تدور حول المعنى المأخوذ من قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ) وقوله : (وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ).

هذا المقصد المتعلق بالآثار ليس محلاً للخلاف ولا يحتاج إلى كثير جدال، وإنما المفارقة تتبدى بالذهاب إلى التباكي على الآثار وعدم الالتفات إلى قيمة الإنسان ذاته، ويتم التغافل عن حقيقة بديهية: أن هذه الآثار تكتسب أهميتها من خلال انتسابها إلى الإنسان، ولأنها من صنع الإنسان، وإنجاز الإنسان وثمرة علمه ومعرفته وقدرته الفنية، ومهارة يده وحسن صنيعه، وجميل فعله وروعة مخيلته، حيث لا قيمة لهذه الآثار والإنجازات المادية لولا ذلك النسب الذي يربطها بالإنسان، ولولا تلك اللمسة الآدمية الراقية التي أصبغت عليها الجمال الذي يستدعي الإعجاب والتفكر.

ولذلك فان ما يجذب الانتباه استغاثة اليونسكو وصرخته المدوية حول ما يحصل للآثار في سوريا، والعراق ، وافغانستان، بينما يقل الإحساس الدولي والعالمي تجاه ما يحصل للبشر، وما يحصل للأرواح الآدمية التي تهدر بلا عدًّ ولا حساب، وما يحصل للأطفال والنساء والمدنيين من تشريد ولجوء وعذابات وانتهاكات وهدر للكرامة الآدمية.

يذكرني ذلك بقصة الهبة العالمية نحو تماثيل «بوذا» في أفغانستان قبل سنوات، التي ما وصل إليها الدمار والخراب إلّا بعد تدمير الإنسان الأفغاني أولاً، وتدمير المجتمع الأفغاني ثانياً، وأذكر مرة أن أستاذاً عراقياً كان زميل تدريس في إحدى الجامعات، وذهب إلى العراق على إثر الاحتلال الأمريكي لبغداد، وعندما عاد تجمع الأساتذة الأردنيون حوله ليفهموا سر الفاجعة وسر سقوط بغداد السريع والمفاجيء، وإذ به قد أعد وثيقة مكتوبة بخط يده يطلب تبرعات لشراء كتب لمكتبة بغداد التي تعرضت للسرقة والنهب والحرق، فقلنا له ما فائدة هذا العمل في هذا الوقت وقد ذهب العراق كله، وذهب الإنسان العراقي وهدرت كرامته وانتهك عرضه، وتم تدمير المجتمع العراقي كله وتم إراقة الدم العراقي على مساحة التراب العربي...

أعتقد أنه بات من الضروري أن نعلم أنه لا طريق للمحافظة على الآثار وإدراك قيمتها إلّا من خلال المحافظة على الإنسان وإدراك قيمته أولاً، ولا سبيل للاستفادة من الإنجازات الحضارية إلّا من خلال إيجاد الإنسان المتحضر القادر على فهم الحضارة وأهميتها، ولا طريق للنهوض إلّا من خلال إعداد الإنسان القادر على صناعة النهضة، ولا طريق لحماية الأوطان إلّا من خلال الحرص على إيجاد الإنسان القادر على القيام بواجب الحماية والحفظ.
إن الاستخفاف بالإنسان، يعني بكل يقين الاستخفاف بالأوطان، ويعني الاستخفاف بكل إنجازات الإنسان، مما يعني ببساطة الاستخفاف بالآثار والمنجزات المادية وجميع المكتسابت والمقدرات الوطنية، ولا يتقدم على أولوية الحفاظ على الإنسان أي أولوية أخرى، مهما كانت أهميتها ومهما اشتدت الحاجة إليها، ولذلك لا مجال لتصديق لاحدفي زعمه المحافظة على الوطن في ظل التفريط بالإنسان والاعتداء على حقوقه وهدر كرامته.

الدستور




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :