يُطالعنا بعض من كانوا في موقع القرار بين الفينة والأخرى ليُحدّثونا عمّا يجب وما لا يجب ، أو عن أخطاءٍ ينبغي علاجها ، أو أفعال وقراراتٍ يلزم اتخاذها ، ويتحدّثون بحكمةٍ متأخرةٍ وكان الفعلُ مُتاحاً لهم حين كانت "كن" طوع أمرهم !
فلماذا يتكلّم بعض الناس بالحكمة بعد أن يُصبح الكلام بلا ثمن !
فالحكمة التي لا تُدافع عن نفسها في وقتها تتحوّل إلى شهادةٍ لتبرئة الذات . أو لغة للإعتراف غير المُكتمل ، لأن بعض الحكماء المتأخرين لا يبحثون عن الحقيقة بل عن السلام مع ضمائرهم .
والحكمة تحتاج شجاعةً في زمنها ، ولكنّها بعد الخطر أو المحاذير تصبح فقط وصفاً لما حدث .
فالشجاعة تسبقُ الحكمة ، أما الحكمة المتأخّرة فتسيرُ خلف الجنازة .
وما قيمة الحكمة التي لا تُغيّر قراراً ، ولا تحمي مظلوماً ، ولا تمنع خطأً قادماً !
وتكون الحكمة ترفاً أخلاقياً حين تُقال وهي لا تُكلّف صاحبها خسارةً ولا تضطره إلى مواجهة ، اللهمّ إلا من قبل من يقبلون الإستغفال وربما الإستغلال ولا يقبلون التوجيه المؤجل ولا مهمة تبييض الصفحات .
فالحكيم المتأخر يرى المشهد كاملاً … إلا نفسه . وإن نحن صفّقنا للحكمة المتأخرةِ ، فإننا بذلك نُعاقب الجرأةَ المُبكّرة إن كانت .
فالحكمة التي لا تُقال في وقتها ليست حكمة ناقصة ، بل شجاعةٌ مؤجّلة .
والمجتمعات لا تُبنى بالحكمة وحدها ، بل بمن يجرؤ على قولها حين يكون ثمنها غالياً .