حينما يفقد العالم ألوانه .. إعادة تشكيل ام نهاية؟
د. بركات النمر العبادي
07-02-2026 10:53 AM
حين تصبح السماء بلا لون ، والأرض بلا خضرة ، والورود بلا عبير ولا طيف… حين تجف الجداول ، وتغدو البحار صامتة خاوية ، وتفقد الكلمات معناها ، وتتبعثر الحروف كما تتناثر شظايا زجاج مكسور…حين تفقد الأقلام مدادها ، وتضيع الأسماء والعناوين ، وتغدو الدول بلا خرائط أو زعامات ، وتُنتزع من العالم أنيابه النووية ، وتُصبح الأطعمة بلا طعم ولا نكهة...
فهل نكون قد بلغنا نهاية العالم ؟
أم أن العالم ، في صمته وتحوّله ، إنما يُعيد تشكيل نفسه من جديد ؟
العالم: انطفاء أم ولادة جديدة؟
منذ أن وُجد الإنسان على وجه الأرض ، وهو يقرأ العلامات ، يحلّل الظواهر، ويخشى النهاية ، و اعتاد أن يربط الخراب بالزوال ، والسكوت بالموت ، والتغيير بالتهديد و لكن، ماذا لو لم تكن النهاية هي الفناء ، بل بداية لواقع مختلف لا نملك مفاتيحه بعد؟
في كل الميثولوجيات، يولد النظام من الفوضى، والنور من الظلمة. فربما نحن لا نعيش موت العالم، بل موت صورته القديمة. إن غياب اللون قد لا يعني العدم، بل بداية لوحة جديدة لم تُلوّن بعد. وإن صمت البحر قد يكون استعدادًا لانبعاث حياة لم نعرفها.
حين تتشظى الحروف ، ويخون القلم مداده ، قد نظن أن اللغة ماتت ، و لكنها قد تكون فقط بصدد التحوّل إلى لغة جديدة لا تعتمد على الأبجدية التي نألفها ، وربما حين تفقد الأطعمة مذاقها ، لا يكون ذلك فقرًا في الحواس ، بل انتقالًا نحو إدراكٍ أعمق من التذوق.
فالعالم المادي ليس كل شيء ، ولعلّ العالم الآن يعيد تموضعه بعيدًا عن الاعتياد ، منطلقًا نحو ما وراء الإدراك الحسي ، نحو تجربة أوسع ، أعمق ، تتجاوز الجغرافيا والسياسة والذوق.
يبقى السؤال الجوهري : هل نحن مستعدون لتقبّل عالم بلا تصنيفات ؟ بلا رؤساء ، بلا جغرافيا ، بلا معايير لذيذة أو جميلة أو ذات معنى ؟ هل نستطيع أن نعيش خارج "القالب" الذي صنعناه بأنفسنا؟
ربما ليس المطلوب أن نجيب، بل أن نتأمل ، أن نصغي لهذا الصمت الكوني، ونتلمس إشارات ما بعد الخراب ، ونستعد — لا للنهاية — بل لبداية أشدّ غموضًا وأكثر انفتاحًا ،والحقيقة ان العالم لا ينتهي بصمت البحر ولا بتبعثر الحروف ، بل ربما يبدأ حين نصمت نحن… ونُعيد النظر ، فما يبدو موتًا ، قد يكون ولادة بلغةٍ لا نفهمها بعد ، ولعلّ أكثر ما نخشاه... هو تمامًا ما يُعيد لنا المعنى.
حمى الله الاردن قيادة و شعبا و سدد على طريق الرشاد خطاه
* حزب المحافظين الاردني