رمضان ليس موسماً لاستغلال جيوب المواطنين
08-02-2026 11:41 PM
بقلم: ماهر ماجد البطوش
مع اقتراب شهر رمضان المبارك تزداد حركة الأسواق بطبيعتها، ويزداد الطلب على المواد الغذائية والتموينية، وهو أمر طبيعي تفرضه احتياجات الأسر واستعداداتها لهذا الشهر الكريم، إلا أن غير الطبيعي وغير المقبول قانوناً وأخلاقاً، أن يتحول رمضان عند بعض التجار إلى موسم استغلال، تُرفع فيه الأسعار بلا مبرر، وكأن المواطن أصبح يدفع ثمن احتياجاته مرتين: مرة بسبب الظروف الاقتصادية، ومرة بسبب جشع من لا يلتزم بالقانون ولا يقدّر قدسية الشهر.
إن حماية المستهلك ليست قضية اجتماعية أو مطلب شعبي فحسب، بل هي حق دستوري وقانوني أصيل، لأن الدولة وفقاً لمبادئ الدستور الأردني تقوم على تحقيق العدالة وصون الحقوق، وكرامة المواطن مصونة لا يجوز المساس بها، وحين يُستغل المواطن في حاجاته الأساسية، فإن الضرر لا يقع على فرد بعينه، بل يصيب المجتمع بأكمله، ويُحدث خلل في الأمن الاقتصادي والاجتماعي، ويزعزع الثقة بالسوق وبالعدالة التي يفترض أن تكون أساس العلاقة بين المواطن والدولة.
وإذا كانت التجارة في أصلها نشاط مشروع يقوم على تحقيق الربح، فإن هذا الربح لا يكون مشروع إلا إذا بقي ضمن حدود القانون، لأن حرية السوق لا تعني الفوضى، وحرية التاجر لا تعني تحويل حاجة الناس إلى فرصة للكسب غير المشروع، وقد جاءت التشريعات الأردنية المتعلقة بحماية المستهلك ومنع الغش التجاري وتنظيم المنافسة، لتؤكد أن رفع الأسعار بصورة مفتعلة، أو التلاعب بالكميات، أو احتكار السلع الأساسية، أو استغلال المواسم لفرض أسعار غير عادلة، كلها ممارسات تدخل في نطاق المخالفات التي تستوجب المساءلة.
وفي هذا السياق، لا يجوز أن يُنظر إلى الرقابة الحكومية على أنها عمل موسمي يظهر مع قرب رمضان ثم يتراجع بعده، بل هي واجب مستمر تمليه طبيعة الدولة الحديثة ومسؤوليتها في حماية المواطنين وضبط الأسواق، فالرقابة ليست ترف إداري ولا إجراء شكلي، بل هي خط الدفاع الأول أمام كل محاولة لاستغلال الناس، خاصة في المواسم التي يرتفع فيها الطلب ويضعف فيها المستهلك أمام ضغط الحاجة.
ومن هنا تظهر أهمية تفعيل الرقابة الجادة والمتكررة، ليس فقط عبر الحملات المعلنة التي قد يتوقعها بعض المخالفين، بل عبر الرقابة السرية والمسبقة والغير معلنة، التي تُمارس بشكل مفاجئ وفعال، حتى يشعر التاجر أن أعين القانون حاضرة في كل وقت، وأن المخالفة لن تمر مرور الكرام، فالرقابة المستمرة وحدها هي التي تصنع الردع الحقيقي، وتُثبت أن السوق ليس ساحة مفتوحة لمن يملك الجرأة على المخالفة، بل هو مجال منظم تحكمه هيبة القانون.
ولا ينبغي أن تقتصر الرقابة على الأسعار فقط، بل يجب أن تمتد إلى جودة السلع وصلاحيتها، وطريقة تخزينها، ومنع الغش والتلاعب بالمواصفات، لأن العبث بالغذاء لا يقل خطراً عن العبث بالأسعار، فالمواطن في رمضان لا يبحث عن سلعة أرخص فقط، بل يبحث عن سلعة آمنة تحفظ صحته وصحة أسرته، وهذا واجب رقابي لا يقبل التساهل.
كما أن الردع لا يتحقق بمجرد التنبيه أو التحذير أو المخالفات الشكلية، بل يتحقق بتطبيق العقوبات القانونية الرادعة، وإيقاع الجزاءات بحق كل من يتجاوز القانون، سواء بالغرامات أو الإغلاق أو الإحالة للجهات القضائية عند الضرورة. لأن التساهل مع المخالف لا يعني رحمة بالمواطن، بل يعني فتح الباب أمام مزيد من الاستغلال، وإرسال رسالة خاطئة بأن القانون يمكن الالتفاف عليه.
وفي المقابل، فإن تشديد الرقابة وتطبيق القانون لا يخدم المستهلك وحده، بل يخدم التاجر الملتزم أيضاً، لأن ترك المجال للمخالفين يخلق منافسة غير عادلة، ويجعل الشريف يدفع ثمن التزامه، بينما يربح المستغل على حساب الجميع، وبالتالي فإن ضبط السوق هو مصلحة عامة تحقق العدالة الاقتصادية، وتعيد الثقة، وتحمي الاستقرار.
إن رمضان شهر الرحمة والتكافل، ولا يجوز أن يتحول إلى موسم يرهق الناس ويزيد معاناتهم، فالقانون لا يطلب من التاجر أن يخسر، لكنه يمنعه من الظلم، ولا يمنعه من الربح، لكنه يرفض الربح القائم على الاحتكار والاستغلال، وحين تُفعل الرقابة المستمرة والذكية، وتُطبق العقوبات بحزم، يشعر المواطن بالأمان، ويشعر التاجر أن القانون فوق الجميع، وعندها تتحقق الفائدة للجميع: سوق منضبط، وعدالة قائمة، ومجتمع يدخل رمضان بروح الطمأنينة لا بثقل الغلاء.