الاقتصاد الأردني بين إدارة الأزمات وإعادة تعريف النمو
د. حمد الكساسبة
09-02-2026 04:43 PM
يُطرح سؤال النمو الاقتصادي في الأردن منذ سنوات طويلة، وغالبًا ما يُقارب من زاوية السياسات والأدوات: الضرائب، والتحفيز، وجذب الاستثمار، أو توسيع الإنفاق. غير أن محدودية النتائج، رغم تغيّر الحكومات وتكرار المحاولات، تفرض إعادة طرح السؤال بصيغة أعمق: هل المشكلة في السياسات وحدها، أم في نموذج النمو الذي تعمل هذه السياسات ضمنه؟
خلال العقدين الماضيين، أظهر الاقتصاد الأردني قدرة واضحة على الصمود في وجه صدمات متتالية، إقليمية ودولية. حافظ على الاستقرار النقدي، وبقي التضخم ضمن مستويات يمكن إدارتها مقارنة بدول الجوار، كما تجنّب أزمات مصرفية حادة. لكن هذا النجاح في إدارة المخاطر لم يُترجم إلى نمو قوي أو شامل. فمتوسط النمو الحقيقي خلال السنوات العشر الأخيرة لم يتجاوز نحو 2–2.5% سنويًا، وهي نسبة أدنى من المطلوب لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل أو تحسين مستويات الدخل.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: الاستقرار مهم، لكنه ليس بديلًا عن النمو. فالاقتصاد الأردني اعتمد بدرجة كبيرة على الطلب المحلي والإنفاق العام والتحويلات، أكثر من اعتماده على التصدير والإنتاجية. وتشير البيانات إلى أن الصادرات السلعية والخدمية لا تزال أقل بكثير من نصف الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنسب تتجاوز 70% في اقتصادات صغيرة نجحت في بناء نموذج نمو موجّه للأسواق الخارجية. وهذا يعني أن النمو يبقى معتمدًا على الإنفاق، لا على القدرة التنافسية.
وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في سوق العمل. فمعدلات البطالة بقيت مرتفعة عند حدود 22–23%، وترتفع بين الشباب إلى مستويات أعلى بكثير. هذه الأرقام لا تعكس فقط نقص فرص العمل، بل ضعف قدرة الاقتصاد على خلق وظائف منتجة ومستدامة. والمقارنة الإقليمية تُظهر أن دولًا ذات موارد أقل نجحت في خفض بطالة الشباب عبر ربط التعليم بسلاسل الإنتاج، لا عبر التوسع في التوظيف العام أو الحلول المؤقتة.
هذا الواقع يشير إلى أن المشكلة ليست في غياب المبادرات، بل في غياب التحول الهيكلي. فالاقتصاد بقي محكومًا بقطاعات ذات قدرة محدودة على خلق قيمة مضافة عالية، بينما لم تحظَ القطاعات القابلة للتوسع – مثل الصناعة التصديرية، والخدمات التقنية، وسلاسل القيمة الإقليمية – بالوزن الكافي في السياسات العامة. كما بقي نمو إنتاجية العامل منخفضًا، وهو ما يحدّ تلقائيًا من قدرة الاقتصاد على النمو دون ضغوط مالية.
ولا يمكن فصل سؤال النمو عن أسلوب إدارة الاقتصاد. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي، اعتاد العمل في بيئة ضغوط إقليمية متواصلة. ومع مرور الوقت، تحوّل منطق إدارة الأزمات من استجابة ظرفية إلى نهج دائم في صنع القرار الاقتصادي. فأصبحت الأولوية تفادي الأسوأ بدل صناعة الأفضل، وهو ما انعكس بوضوح في هيكل الإنفاق العام، حيث تستحوذ النفقات الجارية على الحصة الأكبر، مقابل حيز محدود للاستثمار الرأسمالي القادر على رفع الإنتاجية. استمرار هذا النهج لا يحمي الاستقرار على المدى الطويل، بل يحوّله تدريجيًا من عنصر قوة إلى كلفة مؤجلة.
في هذا السياق، تكتسب رؤية التحديث الاقتصادي أهمية خاصة، لأنها تحاول نقل النقاش من إدارة المخاطر إلى بناء محركات نمو واضحة. وقد حدّدت قطاعات قادرة نظريًا على رفع النمو خلال العقد المقبل. غير أن نجاح الرؤية لا يرتبط بجودة التصميم فقط، بل بمدى التزام السياسات اليومية بها، خصوصًا السياسات الضريبية والتمويلية والتنظيمية، وبقدرة الدولة على تمكين القطاع الخاص ليقود التوسع بدل الاكتفاء بدور المساند.
وإذا كان عام 2026 يُقدَّم اليوم بوصفه عام المشاريع الكبرى، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في عدد المشاريع المُعلنة، بل في قدرتها على كسر النمط السائد. أي رفع نسبة الاستثمار إلى الناتج، وتحسين إنتاجية العامل، وتعزيز الصادرات، وربط المشاريع بسلاسل قيمة حقيقية داخل الاقتصاد، لا الاكتفاء بأثرها المؤقت على التشغيل أو الإنفاق.
وفي المحصلة، لم يعد التحدي أمام الاقتصاد الأردني محصورًا في الحفاظ على الاستقرار، فقد أثبت قدرته على ذلك، بل في كيفية تحويل هذا الاستقرار إلى منصة نمو فعلي. فالاستقرار يحمي الحاضر، لكن إعادة تعريف نموذج النمو هي وحدها ما يصنع المستقبل. وكل إبطاء في هذا التحول لا يمر بلا كلفة، بل يؤجلها فقط، لتُدفع لاحقًا بثمن اقتصادي أعلى.