facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




اعتلالات النفس البشرية


فيصل سلايطة
13-02-2026 11:07 AM

تُعدّ النفس البشرية منظومة معقّدة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية، مما يجعل السلوك الإنساني عرضةً للانحراف في ظروف معينة. لا يولد الإنسان شريراً بطبيعته، بل يحمل مجموعة من الاستعدادات الفطرية التي قد تتخذ مسارات مختلفة تبعاً للتنشئة والبيئة والاضطرابات العصبية والنفسية. عندما تختل هذه المنظومة، تظهر أنماط سلوك صادمة للمجتمع، مثل العنف المفرط، الاعتداء الجنسي، أو حتى ممارسات قصوى كأكل لحوم البشر في سياقات نادرة مرتبطة بالاضطراب أو المجاعة أو الطقوس.

تشير الدراسات في علم النفس العصبي إلى أن بعض السلوكيات المنحرفة ترتبط بخلل في مراكز الدماغ المسؤولة عن الضبط الأخلاقي واتخاذ القرار،

ضعف القدرة على التعاطف، واضطرابات الشخصية المعادية للمجتمع، والتعرّض المبكر للعنف أو الإهمال، كلها عوامل تزيد احتمالية ظهور سلوكيات منحرفة. كما أن الصدمات النفسية في الطفولة قد تُحدث تشوهاً في إدراك الحدود الأخلاقية، فيتحول الألم غير المعالج إلى عدوان موجّه نحو الذات أو الآخرين.

فيما يتعلق بالانجذاب الجنسي المنحرف، بما في ذلك الانجذاب إلى الأطفال، تبيّن الأبحاث أنه اضطراب معقّد متعدد العوامل، وليس مجرد "خيار" أخلاقي منحرف. تتداخل فيه عوامل عصبية وهرمونية ونمائية، إضافة إلى تاريخ من الاعتداء أو التعرض لمحتوى غير مناسب في سن مبكرة. ومع ذلك، يبقى الفعل الإجرامي مسؤولية قانونية وأخلاقية كاملة، ويُعدّ العلاج النفسي والرقابة المجتمعية أدوات أساسية للوقاية والحماية.

أما السلوكيات القصوى مثل أكل لحوم البشر أو شرب الدماء، فهي ظواهر نادرة ترتبط غالباً بظروف استثنائية: مجاعات حادة، اضطرابات ذهانية، طقوس دينية منحرفة، أو رغبة مرضية في السيطرة والهيمنة. هذه الأفعال لا تعكس طبيعة إنسانية عامة، بل تشير إلى انهيار كامل في البنية الأخلاقية والإدراكية للفرد تحت ضغط بيئي أو مرضي شديد.

يثير الترف المادي والوفرة سؤالاً آخر: هل يدفع الملل والبحث عن الإثارة بعض الأفراد إلى تجاوز الحدود؟ تشير نظريات علم الاجتماع إلى أن الإشباع المفرط قد يؤدي لدى فئات محدودة إلى فقدان الإحساس بالمعنى، مما يدفع إلى البحث عن تجارب أكثر تطرفاً لكسر الرتابة. في غياب الضوابط الأخلاقية والرقابة الاجتماعية، قد يتحول هذا البحث إلى انحرافات خطيرة تستغل الضعفاء وتحوّل البشر إلى وسائل للمتعة أو السلطة.

الجنس، بوصفه غريزة بيولوجية أساسية، يمتلك قدرة قوية على التأثير في السلوك والقرار. يرتبط بالنظام العصبي للمكافأة في الدماغ، حيث يفرز الدوبامين ويعزز أنماط السلوك المتكررة. عندما ينفصل هذا الدافع عن الإطار الأخلاقي والاجتماعي، ويتحوّل إلى إدمان أو هوس، يمكن أن يسيطر على التفكير ويضعف القدرة على الحكم السليم. ومع ذلك، يمكن تنظيم هذه الغريزة من خلال التربية، والوعي، والعلاج السلوكي، وبناء منظومة قيمية توازن بين الدافع البيولوجي والمسؤولية الإنسانية.
تُظهر بعض القضايا المعاصرة كيف يمكن للسلطة والمال والشبكات المغلقة أن تحمي أنماطاً من الاستغلال والانحراف لفترات طويلة. عندما تتواطأ المصالح، ويُسكت الضحايا، وتُشترى الصمت، يصبح الانحراف منظومة لا فعلاً فردياً. هذه الحالات تكشف أن المشكلة لا تكمن فقط في الأفراد، بل في البنى الاجتماعية التي تسمح باستمرار الانتهاك دون مساءلة.


في النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل الإنسان منحرف بطبعه أم قابل للانحراف؟ تشير الأدلة إلى أن الإنسان كائن قابل للتشكل؛ يمكن أن يرتقي بالقيم والتربية والعدالة، ويمكن أن ينحدر عندما تغيب الضوابط ويُترك الألم دون علاج. فهم اعتلالات النفس البشرية ليس تبريراً لها، بل خطوة ضرورية للوقاية، والحماية، وبناء مجتمع يحفظ كرامة الإنسان وحدوده الأخلاقية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :