facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الوفاء بالجميل


د. عبدالحفيظ العجلوني
01-04-2026 08:58 AM

خُلُقٌ تستقيمُ بهِ الحياةُ وتأْتَلِفُ بهِ القُلوب.

ليس الوفاءُ بالجميل خُلُقًا عابرًا في منظومة القيم، بل هو من أحبِّ صفات الخَلق إلى الخالق عزّ وجل، كما أن نُكرانَ الجميل من أبغضها إليه. وإذا كان الناس يتفاوتون في مكارم الأخلاق، فإن هذا الخُلُق يظل معيارًا فارقًا بين نفسٍ تعرف الفضل فتُقِرُّ به وتُقدِّرُ أهله، وأخرى تجحده فتتنكّر لأهله.

وأعظم صور نُكران الجميل على الإطلاق هو الكفر بالله سبحانه؛ إذ هو جحودٌ لفضله، وتنكُّرٌ لنعمه التي لا تُحصى، ومقابلةٌ لإحسانه العظيم بالجحود والعِصيان. فالله جلّ وعلا هو خالق الإنسان من عدم، وهو الذي كرَّمه بالعقل والإرادة، وصوَّره في أحسن تقويم، وفضَّله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا. فكيف يُقابل هذا الإحسان كلّه بالجحود؟ إنه ظلمٌ عظيم، ولذلك كان الكفر أقصى درجات نُكران الجميل، وأعظم ما يمقته الله. وقد جاء التحذير منه صريحًا لا يحتمل التأويل في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾،
فهو تنكُّرٌ لفضل الله، وخروجٌ عن مقتضى الفطرة السليمة.

ويتجلّى الوفاءُ بالجميل لله تعالى بالاعتراف بربوبيته، وإفراده بالعبادة، والانقياد لأمره، وشكره على نعمه ظاهرها وباطنها. فهذا هو الوفاءُ الأعظم، الذي به يهتدي الإنسان إلى سواء السبيل، وبه ينال وعده المصدوق:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.

ويأتي بعد هذا المقام العظيم، مقامُ البِرِّ بالوالدين؛ أولئك الذين كانوا –بعد تحقّق إرادة الله بخلق الإنسان– سببًا في وجوده، لما بذلوه من رعايةٍ وتربية، وسهرٍ عليه، حتى يبلغ أشدَّه. ولو تُرك الأبناء بغير عناية آبائهم، لانقطعت أسباب العمران، وتعطّلت سنن الاستخلاف في الأرض. ولهذا قرن الله الإحسان إلى الوالدين بعبادته في مقام واحد، فقال سبحانه:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾،
ليؤكد أن الوفاء لهما امتدادٌ طبيعي وشرعي للوفاء للخالق، وأن بِرَّهُما من تمام شكر الله، وجحودهما من مسالك نُكران الفضل.

إن التأمّل في هذه المعاني يقودنا إلى حقيقة جليّة، خلاصتها أن أكثر ما يمقته الله في البشر هو نُكران الجميل، وأعظم ما يحبّه منهم هو الوفاء به. فالكون قائم على سنّة العدل والجزاء، وقد لخّص القرآن الكريم هذه القاعدة الخالدة في قوله تعالى:
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.

فالوفاءُ بالجميل ليس مجرد ردٍّ للإحسان، بل هو اعترافٌ به، وحفظٌ للروابط، وتأليفٌ للقلوب، وإحياءٌ لمعاني الإنسانية الراقية. به تُبنى الثقة بين الناس، وتترسّخ المحبة، وتستقيم المجتمعات. أما نُكران الجميل، فهو الطريق إلى تفكّك القيم، وانهيار العلاقات، وفقدان المعاني السامية.

فما أحوجنا اليوم إلى إحياء هذا الخُلُق الرفيع في أنفسنا ومجتمعاتنا؛ بأن نُعلِّم أبناءنا شكر الله قبل كل شيء، على نعمه ما ظهر منها وما بطن، ثم بِرَّ الوالدين، وإعلاء مكانتهما، والتذلّل لهما، ثم شكر الناس على ما قدّموا لنا من فضل، فالشكر لهم جزءٌ من شكر الله. ومن لا يشكر النعمة يفقدها، ومن لا يحفظ الودّ يُحرَم بركته.

إن الوفاء بالجميل ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل هو ضرورة إنسانية وسنّة ربانية؛ به تستقيم الحياة، وتُحفَظ الحقوق، وتزكو النفوس، وبه ينال العبد رضا خالقه، ويُكتب في زمرة الشاكرين الذين وعدهم الله بالمزيد:
﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.

فهل نحن على موعد مع أخلاقنا، فنردُّ الجميل لأهله، ونُعلِّم أبناءنا أن الوفاء ليس ترفًا أخلاقيًا، بل هو روح الدين وقِوام الإنسانية؟.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :