ملياران كغثاء السيل… حين صار الأقصى يستغيث وأمته صامتة
د. محمد بني سلامة
01-04-2026 08:59 AM
أيُّ زمنٍ هذا الذي نعيشه؟ وأيُّ حالٍ بلغته أمةٌ تُقدَّر بنحو ملياري مسلم، تمثّل قرابة ربع سكان العالم، تنتشر في ثلاث قارات، وتملك سبعًا وخمسين دولة، وجيوشًا تُوصَف بالجرّارة، وثرواتٍ تُقدَّر بتريليونات، ثم تقف عاجزةً… بل صامتة، كغثاء السيل، أمام إغلاق المسجد الأقصى، أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى النبي محمد؟ وهو ليس مجرد مكان، بل عقيدة قبل أن يكون مكانًا، وهوية قبل أن يكون جغرافيا.
ليست المأساة في الإغلاق وحده، بل في الصمت الذي يليه. صمتٌ ثقيل، بارد، لا يهتزّ لحرمةٍ تُنتهك، ولا لمصلّين يُمنعون، ولا لرمضان يُغلق فيه باب السماء في وجه الأرض. أكثر من شهرٍ والأقصى مغلق أمام أهله، وأبوابه موصدة في وجه الساجدين، وكأنّ الأمر لا يعني أمةً بحجم قارة، لكنها بلا وزن، وكأنّ ما يُغلق ليس مسجدًا، بل معنى من معاني الإيمان ذاته.
الأشد مرارةً، والأكثر إيلامًا، أن يصل الحال إلى أن يُطرق باب الفاتيكان طلبًا للنجدة. أن يخرج النائب صالح العرموطي مستغيثًا بالبابا، داعيًا إياه للتدخل من أجل فتح المسجد الأقصى أمام المصلين. هنا لا نتحدث فقط عن عجزٍ سياسي، بل عن انكسارٍ حضاري عميق، وانحدارٍ في الوعي الجمعي، واختلالٍ خطير في بوصلة أمةٍ كان يُفترض أن تكون شاهدةً على الناس لا مستجديةً عند أبوابهم.
ألهذا الحد صار الرجاء يُطلب من خارج الدائرة؟ وهل بلغ بنا الضعف أن ننتظر استجابة رجلٍ لا ينتمي لعقيدتنا، ولا لمرجعيتنا، بينما أصحاب القضية، وأهلها، ومن يفترض أنهم حُماتها، غارقون في بيانات الشجب والاستنكار التي لا تسمن ولا تغني من كرامة؟ ألهذا الحد تآكلت الإرادة حتى أصبح الفعل ترفًا، والصمت سياسة، والعجز واقعًا يُدار ولا يُقاوَم؟
أيُّ وصايةٍ هذه التي تاهت بين العواصم؟ وأيُّ مسؤوليةٍ تلك التي تبعثرت بين المؤتمرات والقمم؟ حتى بتنا نتساءل بمرارة: هل انتقلت الوصاية على المقدسات من بلاد العرب والمسلمين إلى الفاتيكان؟ سؤالٌ موجع، لكنه ليس أكثر وجعًا من واقعٍ يجيب عنه بصمته.
إنّ الأمة التي يبلغ عددها مليارين، ثم تبدو كغثاء السيل، لا ينقصها العدد ولا الموارد، بل تنقصها الروح، وتفتقد الإرادة، وتغيب عنها وحدة الهدف. ليست المشكلة في قلة الإمكانات، فالأرقام تصرخ بعكس ذلك، بل في غياب القرار، وتآكل الشعور بالمسؤولية، واستبدال الفعل بالكلام، والمواقف الحقيقية بالبيانات الدبلوماسية المكرورة التي لا تغيّر واقعًا ولا تصنع تاريخًا.
لقد أصبح الأقصى مرآةً تعكس حالنا؛ كلما نظرنا إليه، رأينا ضعفنا، وتشتتنا، وعجزنا عن الاتفاق حتى على الحد الأدنى من الفعل. رأينا أمةً تملك كل شيء… إلا الإرادة، وتستطيع كل شيء… إلا أن تفعل.
أيُّ بؤسٍ هذا الذي يجعل شعوبًا بأكملها تشعر بالعجز، وأنظمتها تلوذ بالصمت، بينما تُغلق أبواب ثالث الحرمين؟ وأيُّ خذلانٍ ذاك الذي يجعل الكرامة مؤجلة، والسيادة مُعطّلة، والواجب مؤجَّلاً إلى أجلٍ غير معلوم؟ حتى صار العجز مألوفًا، والخذلان عاديًا، والاستغاثة بغيرنا خيارًا مطروحًا بلا خجل.
إنّ القضية لم تعد فقط قضية أقصى، بل قضية أمةٍ بأكملها: كرامتها، وصدق انتمائها، ومكانتها بين الأمم. هو امتحان تاريخي يُكتب الآن، لا في الكتب، بل في الواقع. فإما أن تُستعاد الإرادة، وتُستنهض الهمم، وتُصحَّح البوصلة، أو يستمر هذا الانحدار حتى يصبح السؤال ذاته بلا معنى.
وحينها… لن يكون السؤال: من يفتح الأقصى؟ بل: هل بقي في هذه الأمة، رغم مليارَيها، ما يستحق أن يُفتح له؟