خنق الصعود قبل الاكتمال: إدارة الأزمات الدولية لاحتواء القوة الصينية
د. عبدالحفيظ العجلوني
02-04-2026 09:08 AM
عندما تقترب قوة صاعدة من عتبة المنافسة الحقيقية لقوة مهيمنة، لا يتحرك التاريخ بعفوية، بل وفق منطقٍ استباقي يعيد تشكيل البيئة الدولية قبل أن تنقلب موازينها. هكذا كان الحال في تجارب سابقة، وهكذا يبدو المشهد اليوم، لكن بأدوات أكثر تعقيدًا: ليس بالضرورة عبر حرب مباشرة، بل من خلال إدارة دقيقة لمفاصل النفوذ في العالم.
في هذا السياق، يرى خبراء الاقتصاد والاستراتيجيون، مستندين إلى دراسات تاريخية ومقارنة، أن كثيرًا من الأزمات الدولية الراهنة -من فنزويلا إلى إيران وصولًا إلى تايوان- لا ينبغي النظر إليها بوصفها حوادث معزولة، بل كحلقات ضمن استراتيجية أوسع تسعى من خلالها الولايات المتحدة إلى الحد من صعود الصين والحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة في النظام الدولي، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحةً.
أولًا: الطاقة…
نقطة الاختناق الأولى:
أي اقتصاد صاعد يحتاج إلى تدفّق مستقر من الطاقة. والصين، رغم قوتها الإنتاجية، تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد النفط لتأمين احتياجاتها، إذ تستورد ما يقارب 70% من استهلاكها، بما يزيد على 11 مليون برميل يوميًا.
في هذا الإطار، تكتسب دول مثل إيران وفنزويلا أهمية خاصة، نظرًا لدورها كمصادر تزويد تمنح الصين قدرًا من المرونة خارج الأطر التقليدية. فإيران تزود الصين بنحو 8-10% من وارداتها النفطية (ما بين 900 ألف و1.2 مليون برميل يوميًا)، بينما تسهم فنزويلا بنحو 3-4% (300-400 ألف برميل يوميًا). وعندما تتعرض هاتان الدولتان لعقوبات وضغوط سياسية واقتصادية، فإن التأثير لا يقتصر عليهما، بل يمتد -بصورة عملية- إلى تضييق الخيارات المتاحة أمام بكين.
لا يعني ذلك أن هذه السياسات صُممت حصرًا لهذا الغرض، لكن محصلتها الاستراتيجية تُسهم في رفع كلفة أمن الطاقة بالنسبة للصين وتقليص هامش المناورة لديها.
ثانيًا: التجارة…
تعطيل المسارات بدل المواجهة.
لم يكن مشروع الربط التجاري الذي تقوده الصين مجرد استثمار اقتصادي، بل محاولة لإعادة تشكيل خريطة التدفقات التجارية العالمية. غير أن هذه الشبكات تمر عبر مناطق حساسة جيوسياسيًا، من بينها الشرق الأوسط.
في ظل التوترات المستمرة، خصوصًا في دول محورية مثل إيران، تصبح هذه المسارات أقل استقرارًا وأعلى تكلفة، ما يحدّ من فاعليتها ويُبطئ توسعها. وبهذا، لا يجري تعطيل المشروع عبر مواجهة مباشرة، بل عبر إضعاف جدوى البدائل التي يسعى إلى بنائها.
في المقابل، تبقى أوروبا ساحة توازن دقيقة. فهي ترتبط اقتصاديًا بالصين، حيث بلغ حجم التجارة بينهما نحو 1.2 تريليون دولار عام 2023، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بتحالفات استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة التي تربطها بها تجارة بنحو 1.3 تريليون دولار. هذا التداخل يجعلها أقرب إلى لاعب يحاول إدارة توازناته، لا طرفًا في اصطفاف حاسم، وإن كانت الأزمات الأمنية -كما في أوكرانيا- تميل بالكفة نحو تعزيز الارتباط عبر الأطلسي.
ثالثًا: التكنولوجيا…
معركة السيطرة على المستقبل:
إذا كانت الطاقة تُحرّك الاقتصاد، فإن التكنولوجيا تحدد من يقوده. وفي قلب هذه المعادلة تقف تايوان، بوصفها مركزًا عالميًا لصناعة الرقائق المتقدمة، حيث تنتج أكثر من 65% من الرقائق الإلكترونية عالميًا، وتسيطر على نحو 90% من إنتاج الرقائق الأكثر تقدمًا (أقل من 10 نانومتر)، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الرقمي والصناعات العسكرية الحديثة.
الدعم الأمريكي لتايوان يمكن فهمه في سياق أوسع من الالتزامات السياسية، إذ يرتبط بالحفاظ على توازن دقيق في واحدة من أهم سلاسل القيمة العالمية. فاحتكار هذه الصناعة من قبل طرف واحد من شأنه أن يعيد رسم خريطة القوة في القرن الحادي والعشرين.
ومن هنا، تبدو القيود المفروضة على نقل التكنولوجيا المتقدمة، وبناء تحالفات صناعية بديلة (مثل تحالف "Chip 4" الذي يضم الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان)، جزءًا من جهد منظم للإبقاء على التفوق التكنولوجي خارج متناول المنافس الصاعد.
رابعًا: التحالفات…
إعادة ضبط موازين النفوذ:
لا تقوم الهيمنة على القوة الذاتية فقط، بل على شبكة التحالفات التي تحيط بها. وفي هذا الإطار، تبرز قدرة الولايات المتحدة على إعادة تنشيط تحالفاتها كلما اشتدت الأزمات.
الحرب في أوكرانيا، على سبيل المثال، لم تُعد تشكيل المشهد الأمني في أوروبا فحسب، بل عززت اعتماد القارة على المظلة الأمريكية في مجالي الأمن والطاقة، وحدّت -في الوقت ذاته- من احتمالات تقارب استراتيجي عميق مع الصين.
بهذا المعنى، لا تُدار التحالفات بوصفها ترتيبات ثابتة، بل كأدوات متحركة لإعادة توجيه موازين القوة عند الحاجة.
خامسًا: إدارة الصراع…
الضغط بدل المواجهة:
الاستراتيجية الأكثر فاعلية لا تعتمد بالضرورة على الصدام المباشر، بل على إدارة الضغوط عبر مسارات متوازية:
- تضييق هوامش الوصول إلى مصادر الطاقة.
- رفع كلفة مسارات التجارة البديلة.
- تقييد الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة.
- تعزيز تماسك التحالفات القائمة.
بهذه الأدوات، يمكن إبطاء صعود قوة منافسة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، أو على الأقل تأجيلها إلى حين تتغير موازين القوة.
الخلاصة:
ما يبدو في ظاهره أزمات متفرقة، يمكن قراءته ضمن نمط أوسع من التفاعل بين القوى الكبرى. فحين تقترب قوة صاعدة من موقع الصدارة، تتحرك القوة المهيمنة لإعادة تشكيل البيئة الدولية بطريقة تحدّ من اندفاعها.
في هذا الإطار، لا تبدو التطورات في فنزويلا أو إيران أو تايوان أحداثًا معزولة، بل ملامح لمشهد أكثر اتساعًا، لا يدور فقط حول من يمتلك القوة اليوم، بل حول من يُعاد رسم الطريق أمامه غدًا.
وفي عالمٍ كهذا، لا يُمنع الصعود بالقوة وحدها، بل بإعادة تعريف قواعد اللعبة نفسها.