قبل هرمز .. بعد هرمز… تريند التجار لرفع الاسعار الفاحشة ..
صالح الشرّاب العبادي
03-04-2026 06:46 PM
حين يتحول الخوف إلى تجارة
لم تعد عبارة “ قبل هرمز او بعد هرمز” مجرد توصيف جغرافي لممر مائي استراتيجي كـ مضيق هرمز يذكر اثناء الحرب الدائرة ، ولا حتى مؤشرًا تتفاعل معه الأسواق العالمية أو تتأرجح على إيقاعه البورصات والتعاملات المالية الكبرى، بل تحوّلت – في سلوك بعض التجار – إلى ذريعة جاهزة، ومبرر فوري لرفع الأسعار، وتضخيم الكلفة، وفرض واقع اقتصادي مشوّه على المواطن.
ما كان في السابق تحليلاً استراتيجيًا يرتبط بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، أصبح اليوم “ترندًا تجاريًا” يُستدعى مع كل خبر عاجل، وكل رشقة صاروخية عابرة، وكل صوت انفجار بعيد، حتى وإن كان الوطن لا يزال في دائرة الأمان، ولم يقترب بعد من حافة الحرب.
المفارقة المؤلمة أن هذا السلوك لم يعد حكرًا على كبار المحتكرين أو ما يمكن تسميتهم بـ”حيتان السوق”، بل امتد ليشمل شرائح أوسع: من التاجر الكبير، إلى المتوسط، وصولًا إلى صغار الباعة، باستثناء قلة ما تزال تتمسك بقيم الشرف والنزاهة والضمير المهني، وهي – للأسف – الاستثناء لا القاعدة.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
إذا كان هذا هو حال السوق تحت تأثير “احتمال” أو “تصعيد محدود”، فكيف سيكون المشهد – لا قدّر الله – إذا أصبحنا طرفًا مباشرًا في حرب حقيقية؟
أي اقتصاد سيصمد؟ وأي مواطن سيتحمّل؟ وأي منظومة رقابية قادرة على ضبط هذا الانفلات؟
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تفاعل اقتصادي طبيعي مع التوترات الإقليمية، بل هو انكشاف خطير في منظومة الضبط والرقابة، واستغلال فجّ لمخاوف الناس، وتحويل القلق العام إلى فرصة للربح السريع، ولو على حساب الاستقرار الاجتماعي.
المشكلة لا تكمن فقط في رفع الأسعار، بل في “تسعير الخوف” كسلعة بحد ذاته ، فبعض التجار لم يعد ينتظر وصول البضاعة بتكلفة أعلى ، بل قدر ربحاً فاحشا لما هو مخزن لديه من اشهر او سنوات ، ولا حتى تغيّر فعلي في أسعار الشحن أو التأمين بل يبفترص ذلك على ما سيكون ، ويسارع إلى استباق الأحداث، ويفرض على السوق كلفة افتراضية، وكأن الحرب قد وقعت فعلاً، وكأن سلاسل الإمداد قد انقطعت بالكامل.
وهنا يتحول الاقتصاد من منظومة عرض وطلب إلى حالة نفسية جماعية تُدار بالإشاعة والتوقع، لا بالواقع والأرقام ، وهذا أخطر ما في الأمر، لأن الأسواق حين تُدار بالخوف، تصبح قابلة للانفلات الكامل، ويصبح المواطن الحلقة الأضعف دائمًا.
إن جزءًا من هذا الانفلات يعود إلى غياب الردع الحقيقي. فالعقوبات – إن وُجدت – لا تزال دون مستوى الجريمة الاقتصادية المرتكبة بحق المجتمع. وهناك فجوة واضحة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي، تسمح للبعض بالمناورة، والإفلات، بل وتكرار المخالفة دون كلفة تُذكر.
لكن الجزء الأخطر هو ما يمكن تسميته “تطبيع الجشع”، حيث يبدأ المجتمع تدريجيًا بالتأقلم مع هذه الممارسات، ويصبح رفع الأسعار أمرًا متوقعًا، بل ومبررًا لدى البعض تحت شعار “الكل يفعل ذلك” ، وهنا تنتقل الأزمة من سلوك فردي إلى ثقافة سوق.
الوزارات المعنية والمؤسسات الرقابية الرسمية اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في ضبط الأسعار، بل في إعادة تعريف العلاقة بين السوق والمجتمع. فالسوق الحر لا يعني سوقًا منفلتًا، والربح المشروع لا يعني استغلال الأزمات، والظروف الإقليمية لا يمكن أن تكون غطاءً مفتوحًا لكل أشكال الاحتكار والتلاعب.
وهنا لابد ان نذكر ، إذا كان هذا الاستغلال في هذه الحالة الغير مستقرة حولنا ، فلابد من اتخاذ اجراءات في التعامل مباشرة من قبل مؤسسات الدولة في الاستيراد المباشر إلى مؤسسات الدولة الاستهلاكية وكذاك تتفيذ الاتفاقيات المبرمة بالقوة حتى وان كان المستورد تاجر او تجار يتحكموا بالسوق ويستغلوا المواطنبن ، لا يهمهم الغرامات فيما إذا كانت التوريد وعدم التوريد بيده وانه سيبيع إلى الأسواق الأخرى إذا كان الربح اكبر من فرض الشروط الجزائية والتي عادة ما تكون شروط عادية اثناء الوضع الطبيعي ، وبذلك يجب ان يكون هناك شروط جزائية كبرى ومؤلمة وحازمة وتنفذ فوراً أثاء الوضع غير الطبيعي مثل الحروب والكوارث والمحن والأزمات ، وهناك نقطة مهمة يجب ان نؤكد عليها حيث يكون المخزون الاستراتيجي ملك للدولة تتحكم به لا يتحكم به التجار كمخزون استراتيجي في مخازنهم لهم الحق في التصرف به .
المطلوب ليس مجرد جولات رقابية موسمية، بل قرارات حازمة تعيد هيبة القانون إلى السوق، وتفرض معادلة واضحة:
من يستغل المواطن في أوقات القلق، يجب أن يدفع الثمن في أوقات الاستقرار.
كما أن الشفافية باتت ضرورة، لا ترفًا. فالإعلان الواضح عن كلف الاستيراد، وهوامش الربح، وآليات التسعير، يمكن أن يشكل أحد أهم أدوات ضبط السوق، ويحد من التلاعب الذي يتم في الظل.
وفي المقابل، لا بد من تمكين المواطن نفسه، عبر أدوات رقابية شعبية، وتفعيل قنوات الشكوى، وتعزيز ثقافة المقاطعة الواعية، لأن السوق – في نهاية المطاف – لا يعيش دون مستهلك.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في “هرمز” ولا فيما قبله او بعده، بل في ما يحدث داخل أسواقنا نحن ، فالأزمات الخارجية قد تكون مؤقتة، لكن انهيار القيم داخل السوق هو أزمة بنيوية طويلة الأمد.
وإذا لم يتم التعامل مع هذا الملف بحزم، فإننا سنجد أنفسنا أمام معادلة خطيرة:
وطن مستقر أمنيًا… لكنه مرهق اقتصاديًا من الداخل.
وعندها، لن يكون السؤال: ماذا بعد هرمز؟
بل: ماذا بعد انهيار الثقة بين المواطن والسوق؟