حين تدفع الشعوب ثمن الحروب… من بغداد إلى طهران ومن عمان الى مدريد
د. بركات النمر العبادي
04-04-2026 04:59 PM
في كل مرة تندلع فيها حرب في الشرق الأوسط ، يتكرر المشهد ذاته بأسماء مختلفة : قرار يُتخذ في غرف السياسة الكبرى ، ونارٌ تشتعل في جغرافيا ملتهبة أصلاً ، ثم تمتد آثارها لتصل إلى موائد الناس في أقاصي الأرض ، وما قاله رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ليس سوى تعبير صريح عن هذه الحقيقة : فالحروب لم تعد شأناً إقليمياً ، بل عبئاً عالمياً تتحمله الشعوب ، لا صُنّاع القرار.
لكن خلف هذا التصريح ، يبرز سؤال أعمق : من يملك حق إشعال الحروب ؟ ومن يدفع ثمنها فعلياً ؟منذ مطلع القرن الحادي والعشرين ، تشكّلت في السياسة الدولية أنماط سلوك تُعيد إلى الأذهان ذهنية الهيمنة القديمة ، وإن اختلفت الأدوات ، فالحرب على العراق عام 2003 لم تكن مجرد خطأ استراتيجي ، بل لحظة مفصلية كشفت هشاشة النظام الدولي أمام إرادة القوة ، دولة تُغزى تحت ذرائع ثبت لاحقاً تهافتها ، ونظام يُسقط ، ومنطقة بأكملها تُفتح على فوضى لم تنتهِ آثارها حتى اليوم.
وإذا كان التاريخ يُعيد نفسه ، فإنه لا يفعل ذلك بشكل مطابق ، بل بصيغ أكثر تعقيداً ، فالتوتر و الحرب مع إيران اليوم لا يمكن فصله عن تلك السلسلة من السياسات التي اعتمدت منطق القوة كأداة أولى ، بدل أن تكون الخيار الأخير ، وهنا تتقاطع المصالح ، وتتشابك الأدوار، وتبرز أطراف تسعى لتكريس هذا النهج ، كلٌ وفق حساباته الخاصة.
غير أن الإشكالية لا تكمن فقط في قرار الحرب ، بل في الفلسفة التي تبررها ، حين تُختزل العلاقات الدولية في منطق "القدرة على الفعل"، يصبح العالم أقرب إلى ساحة مفتوحة ، تُمنح فيها بعض الدول هامشاً واسعاً للتصرف خارج القيود ، بينما يُطلب من الآخرين الالتزام بقواعد لا تُطبّق على الجميع بالمعيار ذاته.
هذا الاختلال في ميزان المعايير هو ما يغذّي الشعور العالمي بأن هناك نظاماً دولياً غير متوازن ، يُجيز ما لا يجوز ، ويُشرعن ما لا يمكن تبريره أخلاقياً أو قانونياً ، وهو ما يفسر أيضاً تزايد الأصوات ، حتى داخل الغرب نفسه ، التي ترفض الانخراط في مغامرات عسكرية جديدة ، وتدعو إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن بعيداً عن الحروب المفتوحة.
أما على مستوى الشرق الأوسط ، فإن أي مواجهة جديدة لن تكون حدثاً معزولاً ، بل حلقة إضافية في سلسلة استنزاف طويلة ، تدفع ثمنها شعوب المنطقة أولاً ، ثم تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي ، كما أشار سانشيز بوضوح ، فارتفاع أسعار الطاقة ، واضطراب سلاسل الإمداد ، وتراجع القدرة الشرائية ، كلها نتائج مباشرة لحروب تُخاض بعيداً عن حدود من يتحملون كلفتها.
إن نقد هذه الحروب لا يعني إنكار تعقيدات المنطقة أو تبرئة جميع الأطراف ، بل هو دعوة لإعادة الاعتبار لمنطق العقل في مواجهة اندفاع القوة ، فالتاريخ أثبت أن الحروب التي تُبنى على افتراضات متسرعة أو حسابات ضيقة ، غالباً ما تنتهي بنتائج عكسية ، تُضعف الجميع ولا تحقق استقراراً دائماً.
في المحصلة ، لم يعد السؤا ل: من سيربح الحرب ؟ بل : من سيتحمل كلفتها ؟ والإجابة ، كما تتكرر في كل مرة ، ليست في عواصم القرار، بل في حياة الناس اليومية — من بغداد إلى طهران، ومن عمّان إلى مدريد.
ذلك هو الدرس الذي لم يتغير : حين تُشعل الحروب ، لا يبقى أثرها محصوراً في ساحاتها، بل يتحول العالم كله إلى دائرة ارتدادية ، يدفع ثمنها من لم يكن طرفاً فيها.
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني / مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي