مرة أخرى يجد لبنان نفسه يواجه حربا لاعلاقة له بها تهدد وجوده بسبب مغامرة جديدة لحزب الله على حساب الأجندة الإيرانية، والحرب الجارية ليست كتلك الحروب التي سبقتها فإسرائيل وجدت بها فرصة كبيرة لإعادة احتلال أجزاء كبيرة من البلاد وجعل الجنوب اللبناني خنجر في الخاصرة اللبنانية ، وربما إعادة الرسم الجغرافي للأرض اللبنانية ، والنتيجة فوضى لامتناهية تعصف بأي محاولة بناء الدولة وسط أمواج من عدم استقرار واضطراب أمني كبير ، والواقع هو امتداد لتاريخ لبناني طويل جعله مستباحا لتصفية الحسابات والخاسر الوحيد الشعب اللبناني المنكوب، فاللبنانيون منهم أجيال كثيرة لا يعرفون في حياتهم إلا الحروب والإقتتال الأمر الذي عطل حياتهم ودمر مستقبلهم ولم يعودوا يفكرون إلا بالنجاة من الموت..
منذ نصف قرن من الزمن ، بات لبنان عنوان للفوضى وتصفية الحسابات الداخلية والخارجية ليس فقط على المستوى العربي بل على المستويين الإقليمي والدولي ، وقد هيأ لهذا النظام الطائفي القائم على تقسيم السلطة على أسس طائفية ومذهبية ، وتحول هذا التقسيم إلى عقبة كبرى أمام بناء الدولة بكل المعاني والأشكال، فحتى اليوم لازالت كل محاولة نحو بناء الدولة تصطدم بالمصالح الطائفية، وأي محاولة لتوحيد السياسات والمواقف تتحول إلى صراع سياسي داخلي، مما جعل لبنان مفتوحًا للتدخل الخارجي تحت حجة أن الداخل لا يستطيع اتخاذ قرارات تحمي الدولة أو تعيد بنائها ..
كان الوجود السوري في لبنان منذ منتصف الثمانينيات وحتى العام 2005 دمر لبنان على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، وعطل نموه على مدار أربعة عقود وحوّل لبنان إلى أداة لحسابات دمشق على كل المستويات ، تاركًا اللبنانيين بلا حماية حقيقية وحقوقهم مجزأة بين زعماء الطوائف والنفوذ الخارجي، ولم يكن الهدف فقط السيطرة المباشرة، بل جعل لبنان يعجز دأئما عن بناء مؤسسات وطنية تكون رافعة لدولة ذات السيادة وطنية..
ومع صعود حزب الله كقوة دولة داخل الدولة الشرعية ، جاء النفوذ الإيراني ، لأن الحزب يتحرك حسب البرنامج الإيراني، وأصبح جزءأ من من الدوائر الإيرانية تحت عنوان مقاومة إسرائيل ، لكن على الواقع قام الحزب باعتقال القرار بكل أنواعه وطبقاته الأمر الذي أدى إلى جمود كبير في مسيرة الدولة حتى فيما يخص مصير البلاد.. ونتيحة التداخل التاريخي ببن الصراع الطائفي والتدخل السوري والنفوذ الإيراني، أصبح لبنان دولة ضعيفة، غير قادرة على حماية حدودها أو اتخاذ قرارات سيادية مستقلة وأصبح دائمًا مرشح لأن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بينما يدفع شعبها الثمن باقتصاد منهك وبنية تحتية مدمرة وغياب أمن وطني ..
لبنان ليس مجرد ضحية للصراعات الإقليمية، بل هو أيضا ضحية بناء طائفي ومذهبي مشوه كما أشرت، وحتى يستطيع الخروج من هذا الواقع، يحتاج إلى إعادة بناء الدولة على أسس سليمة بعيدا عن الحسابا الطائفية ليتمكن من أن يكون دولة ذات سيادة تستطيع أولا التخلص من النفوذ الخارجي ، وإعادة النظر في النظام السياسي الذي أعاق قدرته على حماية نفسه، وإلا، سيبقى مصيره مجهولا ويبقى ساحة مفتوحة لصراعات وحسابات تهدد وجوده .
إن استمرار توريط الحزب لبنان في حروب عبثية بالنسبة للبنانيين يشكل خطيئة في حق حاضر البلاد ومستقبلها فبعد كل مرة يورط فيها لبنان بحرب يجد نفسه قد هوى أكثر في دوامة الفوضى وعدم الاستقرار وهذا يبعده أكثر من أن يكون دولة ذات سيادة تضمن للبنانيين الأمن والحياة الكريمةوالمستقبل المنشود..