البطالة وسوق العمل العالمي، هل نحن قادرون على التنافس مع غياب المرجعية؟
عماد الشهاب
05-04-2026 12:05 PM
عند الحديث عن تحدي البطالة ما زلنا نكرر الأسئلة ذاتها: كيف نجذب المستثمر؟ كيف نخلق وظائف محلية؟ كيف ندعم المشاريع الصغيرة؟ وهي أسئلة مشروعة، لكنها لم تعد كافية. لأن المشكلة لم تعد فقط في نقص الوظائف، بل في تغيّر طبيعة الوظيفة نفسها. فوفق تقديرات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية، فإن الاقتصاد العالمي سيصنع ما يزيد عن 150 مليون من الوظائف الجديدة حتى عام 2030 ونصفها لم تعد مرتبطة بموقع جغرافي، بل بامتلاك المهارة والقدرة على العمل عن بُعد. بمعنى آخر، الوظيفة لم تعد “مكانًا” نذهب إليه، بل “خدمة” يمكن تقديمها من أي مكان. وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة الأردنية. فنحن ما زلنا نبحث عن الوظائف داخل حدودنا، او في دول الجوار، ونربط التشغيل بحجم الاستثمار المحلي، ونقيس النجاح بعدد الفرص التي تُخلق داخل السوق. في حين أن العالم تجاوز هذه المرحلة بالكامل. شركة في أوروبا يمكنها أن توظف شابًا في عمّان، ومؤسسة في كندا قد تعتمد على فريق كامل يعمل من جرش، ومنصة رقمية في آسيا قد تدير أعمالها عبر مستقلين من مختلف الدول. هذا ليس استثناءً، بل هو النمط الجديد لسوق العمل.
ناهيك عن ان الخطاب السائد يختزل المشكلة في ضعف مهارات الشباب، وكأنها مسألة فردية يمكن حلها بدورات تدريبية أو تحسين المناهج. لكن الصورة أكثر تعقيدًا. ما نواجه في الواقع هو فجوة مهارية مركّبة تبدأ محليًا وتتضاعف عالميًا.
في الداخل، هناك عدم مواءمة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق المحلي. خريجون يحملون شهادات، لكنهم يفتقرون إلى المهارات التطبيقية التي يبحث عنها أصحاب العمل من التفكير العملي إلى الكفاءة الرقمية إلى مهارات التواصل المهني. هذه هي الفجوة الأولى. وتتسع الفجوة بشكل أكبر عندما ينتقل الشاب الأردني إلى المنافسة في السوق العالمي. فهناك، لا يقارن فقط بخريج من جامعة محلية أخرى، بل ينافس مطورًا من الهند، أو مصممًا من شرق أوروبا، أو متخصص دعم فني من الفلبين وكلهم يمتلكون مهارات مصممة خصيصًا لتلبية طلب عالمي دقيق وسريع التغير. هنا تتحول الفجوة من تحدٍ محلي إلى عجز تنافسي عالمي. فنحن نُنتج خريجين، لكننا لا نُعدّهم للمنافسة. ندرّب الشباب، لكن دون أن نربط التدريب بمسارات تشغيل حقيقية. نملك عرضًا بشريًا كبيرًا، لكننا نفتقد المنظومة التي تحوله إلى قيمة اقتصادية قابلة للتصدير.
وعندما ننظر إلى تجارب دول أخرى، لم تنتظر الفلبين أن تأتي الوظائف إليها، بل طورت مهاراتها بما يتناسب مع الطلب العالمي. اليوم، يحقق قطاع التعهيد هناك أكثر من 30 مليار دولار سنويًا، ويشغّل أكثر من 1.3 مليون شخص في نموذج يقوم أساسًا على تصدير المهارة كسلعة.
الأمر ذاته ينطبق على الهند، التي تحولت إلى مركز عالمي للخدمات الرقمية، بصادرات تتجاوز 150 مليار دولار سنويًا في قطاع تكنولوجيا المعلومات وحده. هذه الأرقام لم تأتِ من فراغ، بل من قرار استراتيجي بأن القيمة الحقيقية تكمن في تصدير المعرفة والمهارة.
حتى على المستوى الإقليمي، بدأت مصر في بناء نموذج مشابه، مع مئات الآلاف من الوظائف في مراكز الخدمات والتعهيد، واستقطاب شركات عالمية للعمل من داخل وخارج البلاد.
في ضوء هذه النماذج، تبدو المشكلة الأردنية أكثر وضوحًا. نحن لا نعاني فقط من نقص الوظائف، بل من غياب نموذج وطني لتشغيل الكفاءات في سوق عالمي مفتوح. لدينا الإمكانات، لكننا نفتقر إلى الرؤية التي تعيد تعريف دورنا في هذا السوق.
وإذا أردنا الحديث بلغة الأرقام، فإن إدماج 100 ألف شاب أردني فقط في سوق العمل العالمي عن بُعد، بمتوسط دخل يتراوح بين 800 و1200 دولار شهريًا، يمكن أن يضيف ما بين مليار إلى مليار ونصف دولار سنويًا للاقتصاد. هذه ليست تقديرات متفائلة، بل حسابات مبنية على تجارب دول نجحت في هذا المسار.
لكن المشهد يزداد تعقيد مع غياب مرجعية وطنية واضحة تتولى قيادة ملف البطالة بشكل استراتيجي ومتكامل. وفي ظل غياب هذه المرجعية، تبقى الجهود مجزأة وردّات فعل قصيرة الأمد، بدل أن تكون جزءًا من مشروع وطني واضح يعيد تعريف التشغيل كملف سيادي مرتبط بالاقتصاد، والتعليم، والسياسة الخارجية في آن واحد.
في النهاية، لا يمكن اختزال البطالة في الأردن على أنها أزمة شباب أو نقص موارد، بل هي نتيجة مباشرة لفجوة مهارية مركّبة وتعريف قاصر لسوق العمل. والتحول الحقيقي فيبدأ حين نعيد تعريف دورنا: من اقتصاد يحاول استيعاب خريجيه محليًا، إلى اقتصاد يُعيد تأهيلهم ليكونوا جزءًا من سوق عالمي مفتوح، ويحوّل المهارة الأردنية إلى قيمة قابلة للتصدير. عندها فقط، ندرك أن المشكلة لم تكن في غياب الفرص، بل في عدم جاهزيتنا للوصول إليها والمنافسة عليها.