السيناتور الجمهوري غراهام يشعل المنطقة .. من “حرب دينية” إلى الدعوة لحروب مدمّرة
السفير د. موفق العجلوني
06-04-2026 10:28 AM
في خضم التصعيد المتكرر في الشرق الأوسط، تتكشف مرة أخرى خطورة الخطاب السياسي الذي يتبناه بعض صناع القرار في واشنطن، وعلى رأسهم Lindsey Graham، الذي لم يكتفِ بوصف الحرب في غزة وإسرائيل بأنها "حرب دينية"، بل وسّع من دائرة دعمه ليشمل تأييدًا صريحًا لأي تصعيد عسكري تقوده إسرائيل— حتىً عندما يهدد ذلك بجرّ المنطقة إلى مواجهة أوسع، بما في ذلك مع إيران.
إن توصيف الصراع على أنه "ديني" ليس مجرد تبسيط مخلّ، بل هو إعادة صياغة خطيرة للصراع تجرّده من أبعاده السياسية والقانونية والإنسانية. فالنزاع في جوهره يرتبط بالاحتلال، والحقوق الوطنية، والتوازنات الإقليمية، وليس بصدام عقائدي مطلق كما يحاول غراهام تصويره. هذا الخطاب يفتح الباب لتبرير العنف غير المحدود، ويحوّل أي دعوة للحل السياسي إلى ما يشبه "خيانة" في منطق الحروب المقدسة.
الأكثر إثارة للقلق هو موقف غراهام من الحرب الاميركية - إسرائيل على ايران ، حيث عبّر في أكثر من مناسبة عن دعمه لضربات عسكرية تستهدف إيران أو بنيتها التحتية، متبنيًا رؤية تصعيدية تتجاهل العواقب الكارثية لمثل هذا السيناريو ، وًمتجاهلين توريط دول مجلس التعاون الخليجي في هذه الحرب التي لا تبقي و لا تذر و ليس في مصلحة دول مجلس التعاون الخليجي على كافة الصعيد تاجيج هذه الحرب . إن تأييده لما يمكن وصفه بـ"حرب أمريكية–إسرائيلية على إيران" يعكس عقلية تعتمد على القوة العسكرية كخيار أول، لا كملاذ أخير، متجاهلًا أن استمرار المواجهة من هذا النوع قد تشعل حربًا إقليمية شاملة تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الشرق الأوسط. ولا يمكن فصل هذا الموقف عن دعمه المستمر وغير المشروط لإسرائيل، إذ دافع مرارًا عن عملياتها العسكرية، ورفض توجيه أي انتقاد جوهري لسلوكها في غزة، بل وذهب إلى حد الدعوة إلى "تسوية الأرض" كوسيلة للدفاع. مثل هذه التصريحات لا تكتفي بتجاهل القانون الدولي، بل تبرر عمليًا استخدام القوة المفرطة ضد مناطق مأهولة بالسكان، ما يثير تساؤلات جدية حول التزامه بالمعايير الإنسانية الأساسية.
إن تبني خطاب يؤيد العدوان ويشرعن التدمير، سواء في غزة أو في سياق مواجهة محتملة مع إيران، لا يسهم في تحقيق الأمن أو الاستقرار، بل يعمّق دوامات العنف ويغذي مشاعر الغضب وعدم الثقة. كما أنه يضعف من مصداقية الولايات المتحدة كفاعل دولي، ويجعلها تبدو طرفًا منحازًا بدلًا من وسيط يسعى إلى التهدئة.
في نهاية المطاف، فإن ما يطرحه Lindsey Graham ليس مجرد رأي سياسي، بل هو نهج قائم على التصعيد وتغليب الحلول العسكرية، وهو نهج أثبت التاريخ مرارًا أنه يقود إلى مزيد من الفوضى لا إلى السلام. لا يحتاج الشرق الأوسط إلى دعوات "تسوية الأرض" ولا إلى حروب دينية أو إقليمية، بل إلى رؤية سياسية عقلانية تضع حدًا للعنف وتفتح الطريق أمام حلول عادلة ومستدامة .
في المحصلة، لا يمكن فصل خطاب Lindsey Graham عن المزاج الأوسع لتيارات اليمين المتطرف المرتبطة بالرئيس ترامب في الولايات المتحدةً و نتنياهو في إسرائيل. فهذه التيارات، رغم اختلاف السياقات، تلتقي عند توظيف سرديات دينية مشحونة—أقرب إلى الخزعبلات السياسية—لإضفاء شرعية أخلاقية زائفة ( شريعة الغاب ) على سياسات تقوم في جوهرها على القوة والتوسع وتصفية الحسابات.
إن تحويل الصراع إلى معركة “مقدسة” يخدم أهدافًا سياسية ضيقة: حشد القواعد الشعبية، إسكات الأصوات الناقدة، وتبرير سياسات لا يمكن الدفاع عنها بلغة القانون الدولي أو حقوق الإنسان. وبدل أن يكون الدين مساحة للقيم الإنسانية الجامعة، يتم توظيفه كأداة تعبئة وتبرير للعنف، بما يفاقم الاستقطاب ويقود إلى مزيد من الانسداد السياسي.
هذه المقاربة لا تنتج أمنًا ولا استقرارًا، بل تُطيل أمد الصراع وتغذي دوامات الكراهية، فيما تُهمل جذور الأزمات الحقيقية. وما لم يُكسر هذا النهج القائم على تديين السياسة وتسليح الخطاب، ستظل المنطقة رهينة لمشاريع قصيرة النظر، تُقدّم المكاسب الشخصية والحزبية على حساب السلام العادل وكرامة الإنسان.
muwaffaq@ajlouni.me