وهم النصر: حين تُعلن الحروب انتصارها قبل أن تنتهي
مؤيد المجالي
08-04-2026 12:11 PM
في كل مرة يتصاعد فيها الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يتكرر المشهد ذاته:
تصريحات منتشية، بيانات منتصرة، وخطابات تُعلن “النصر” وكأن الحرب قد حُسمت… بينما الحقيقة على الأرض تقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
لا أحد انتصر.
ولا أحد هُزم.
لكن الجميع يتحدث بلغة المنتصر.
هذه ليست مفارقة… بل هي جوهر الصراع الحديث.
أولًا: معيار النصر… الحقيقة التي يتجنبها الجميع
وسط ضجيج السرديات، هناك قاعدة صلبة لا تتغير:
الانتصار لا يُقاس بما يُقال… بل بمدى تحقيق الأهداف المعلنة.
هذا المعيار البسيط هو ما يكشف هشاشة كل ادعاءات النصر:
- إذا لم تتحقق الأهداف فالنتيجة لا يوجد نصر
- إذا تحققت جزئيًا فالنتيجة نحن أمام “نصر بالنقاط”
- إذا فشلت فالنتيجة يتم إعادة تعريف الهدف… لا الاعتراف بالهزيمة وهنا تبدأ الخدعة الكبرى.
ثانيًا: من النصر الحاسم إلى النصر بالنقاط
في الحروب الكلاسيكية، كان النصر يُقاس بسقوط العواصم وانهيار الجيوش.
أما اليوم، فنحن أمام نموذج جديد:
نصر بلا حسم… وخسارة بلا اعتراف.
وعند إسقاط الأحداث على معيار الأهداف:
- الولايات المتحدة لم تُنهِ نفوذ إيران
- إيران لم تكسر الهيمنة الأمريكية
- إسرائيل لم تُحيّد التهديد الاستراتيجي
النتيجة؟
لا نصر حاسم… بل تفوق نسبي متبادل.
ثالثًا: النصر كأداة سياسية… وإعادة تعريف الأهداف
حين تفشل الأهداف، لا تُعلن الهزيمة… بل يُعاد تعريف “النجاح”:
- في واشنطن: يصبح تجنب الحرب نصرًا
- في طهران: يصبح الصمود نصرًا
- في تل أبيب: تصبح القدرة على الضرب نصرًا
كل طرف لا يحقق أهدافه… بل يغيّر تعريفها بعد المعركة.
وهنا تتحول السياسة إلى مصنع لإنتاج “الانتصارات الوهمية”.
رابعًا: حروب الجيل السابع… حين تُصنع الانتصارات إعلاميًا
ما يحدث ليس مجرد صراع عسكري، بل تجلٍ واضح لـ حروب الجيل السابع، حيث:
- السردية سلاح
- الإعلام ميدان
- والوعي هدف استراتيجي
في هذا السياق:
- لا يُنتظر تحقيق النصر… بل يُعلن مسبقًا
- لا تُعرض الخسائر… بل تُعاد صياغتها
- لا يُقاس الواقع… بل يُستبدل برواية
النصر هنا لا يُنتج في الميدان… بل في الوعي.
خامسًا: النصر كمنتج سردي
كل طرف يبني روايته الخاصة:
- الولايات المتحدة تروّج لنصر الردع والسيطرة
- إيران تروّج لنصر الصمود وكسر الهيمنة
- إسرائيل تروّج لنصر التفوق العملياتي
لكن هذه الروايات الثلاث، رغم تناقضها، تتعايش… لأنها لا تستهدف الحقيقة، بل الجمهور.
سادسًا: البعد القانوني… حين تختبئ المسؤولية خلف السردية
في ظل هذا الضباب، يتراجع الحسم… لكن المسؤولية لا تختفي.
اتفاقيات جنيف لا تقيس النصر، بل تقيس:
- شرعية الأهداف
- حماية المدنيين
- حدود استخدام القوة
لكن في حروب السرديات:
- تُبرر الضربات كـ“ضرورة عسكرية”
- تُقدّم الانتهاكات كـ“دفاع عن النفس”
- وتُستخدم الرواية كدرع قانوني
حين يغيب النصر الحقيقي… تُصبح السردية أداة للهروب من المساءلة.
سابعًا: التوازن الهش… نتيجة طبيعية لوهم النصر
“النصر بالنقاط” لا ينهي الحرب… بل يؤجلها.
نحن أمام:
- ردع غير مكتمل
- أهداف غير محققة
- روايات متضاربة
وهذا يخلق أخطر حالة ممكنة:
توازن هش… قابل للانفجار في أي لحظة.
الخاتمة: حين يُعاد تعريف الهزيمة
الحقيقة التي لا يريد أحد قولها:
من لا يحقق أهدافه… لا ينتصر.
ومن يعجز عن الانتصار… يعيد تعريف النصر.
النقاط وُزعت…
والأهداف لم تتحقق…
والروايات ارتفعت…
لكن الواقع بقي كما هو:
حرب لم تُحسم… بل أُعيد تسويقها.
والأخطر أن الجولة القادمة قد لا تبدأ بصاروخ…
بل بإعلان نصر جديد.