لم تعد إيران خبراً عابراً في نشرات الأخبار، ولا عنواناً موسمياً يرتبط بتصعيد أو هدنة ، خلال العقود الماضية، كانت حاضرة في الوعي العربي بوصفها "الآخر القلق و المقلق" في حربها الطويلة مع العراق، ثم في ملفات الإقليم المتشابكة، وصولاً إلى الحربين الاخيرتين اللتان أعادتا المنطقة إلى أجواء الحافة المفتوحة ، وهنا برز السؤال الاهم هل نعرف ايران حقا ؟ .
خلال العقود الماضية تابعنا إيران من خلال عدسات السياسة والأمن، لا من خلال التاريخ والمجتمع ، قرأناها بوصفها مشروعاً أو تهديداً أو خصماً، لكننا نادراً ما اقتربنا منها بوصفها دولة ذات حضارة ممتدة، وشعباً متنوعاً، ونخبة فكرية وسياسية تمتلك أدواتها الخاصة في التفكير وإدارة الصراع ، والمفارقة أن معظمنا لم يزر إيران، ولم يحتك بشعبها، ولم يقرأ أدبها، ولم يتعرّف على تاريخها ، حتى معرفتنا بثورتها عام 1979، أو بطبيعة نظامها السياسي، غالباً ما تأتي مجتزأة أو محمّلة بالأحكام المسبقة.
نحن نعرف " عن إيران " ، لكننا لا نعرف " ايران " نفسها وما يجعل هذه الفجوة أكثر خطورة أن إيران اليوم ليست هي إيران الأمس ، فسنوات العقوبات الطويلة والضغوط الاقتصادية، والتحولات الإقليمية، أعادت تشكيل أولوياتها وسلوكها ، كما أن داخلها يتغير ، جيل جديد، أكثر انفتاحاً على العالم، وأكثر احتكاكاً به، يتعايش مع نظام سياسي مركّب يجمع بين الديني والجمهوري، وبين المؤسسات المنتخبة ومراكز القوة غير المنتخبة.
هنا تحديداً، يقع أحد أبرز أوجه سوء الفهم ، اختزال إيران في نظامها السياسي فقط ، فإيران ليست نظاماً فحسب، بل دولة عميقة، بمؤسساتها، وبيروقراطيتها، وتياراتها المتنافسة، ونقاشاتها الداخلية التي لا تصل إلينا إلا نادراً ، وهذا ما يجعل سلوكها يبدو، في كثير من الأحيان، متناقضاً لمن يراقبها من الخارج دون فهم بنيتها.
لقد كشفت الحرب الاخيرة بينها وبين اميركا واسرائيل عمق جهلنا عنها ، نحلل سلوك دولة لا نفهم بنيتها، ونحكم على قرارات قيادة لا نعرفها ولا كيف تفكر، ونبني مواقفنا على انطباعات ، وهذه ليست مشكلة ثقافية فحسب، بل خلل استراتيجي حقيقي يزداد حين نتجاهل طبيعة " العقل السياسي " الإيراني ، فإيران لا ترى في التفاوض تنازلاً بالضرورة، بل أداة من أدوات الصراع، تستخدم فيها الوقت، وتوازن بين التصعيد والتهدئة، وتراكم المكاسب تدريجياً ، هذا النمط من التفكير يُساء فهمه كثيراً في البيئة العربية التى تميل إلى ردود الفعل السريعة، لا إلى إدارة الصراعات طويلة النفس ، وفي المقابل، لا بد من الاعتراف بأن فجوة الفهم هذه ليست أحادية الاتجاه ، فكما نحمل نحن صوراً نمطية عن إيران، يحمل الإيرانيون أيضاً تصورات مبسطة عن العالم العربي ، فنحن أمام سوء فهم متبادل، لا يمكن كسره إلا عبر المعرفة.
الأهم أن أدوات القوة في الإقليم لم تعد تقليدية. فالصراع اليوم لا يُدار فقط بالجيوش، بل بالنفوذ، والإعلام، والاقتصاد، والشبكات الإقليمية. وإيران من أكثر الدول استثماراً في هذا النوع من " الحروب غير المباشرة " ، ما يجعل فهمها ضرورة تتجاوز التحليل العسكري إلى قراءة أوسع لأدواتها و في هذا السياق، يبرز مثلا اسم الدكتور حسن أحمديان، الذي نال اعجابنا ليس فقط كباحث ومحلل سياسي ، بل كنموذج نجح في شرح العقل السياسي الإيراني بلغة يفهمها العرب ، وهو ما يستوجب منا منذ الان توفير ادوات التقرب والتعرف من حضارة ايران كدولة عمرها على ترابها الوطني الحالي قرابة 3200 عام قبل الميلاد ، وبالنسبة لي، لم تكن إيران مجرد فكرة نظرية ، فخلال سنوات دراستي في جامعة بغداد، عايشت أجواء الحرب الإيرانية العراقية عن قرب، وكلفت لاحقا بتغطية اخر سنتين من الحرب كصحافي ، ورأيت كيف تتحول الدول في لحظات الصراع إلى صور مبسطة تختزل شعوباً كاملة في عنوان واحد: " الفرس المجوس" ، تلك التجربة المبكرة كانت كفيلة بأن تطرح سؤالاً ظل مفتوحاً حتى اليوم: كم نعرف فعلاً عن الطرف الآخر الذي نخوض معه صراعاً أو نعيش إلى جواره؟
إن التعرف على إيران لا يعني الاتفاق معها، ولا تبرير سياساتها، بل يعني ببساطة فهمها والفهم في السياسة، هو نصف القوة ، أما الجهل، فهو وصفة دائمة لسوء التقدير والضعف تجاه جار تاريخي وابدي يريد البعض منا ان يراه حليفا والبعض الاخر عدوا !!
[email protected]