facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




جيل ما بعد الوظيفة


د. هيفاء ابوغزالة
12-07-2026 11:26 AM

عندما يصبح العمل مشروعاً لا وظيفة.

في كل مرة يلتقي فيها شاب بوالديه أو معلميه، يكاد السؤال نفسه يتكرر: “هل وجدت وظيفة؟”. سؤال يبدو عادياً، لكنه يعكس تصوراً كاملاً للحياة نشأ عليه جيل كامل، حين كانت الوظيفة تعني الاستقرار، والدخل، والمكانة الاجتماعية، وخريطة المستقبل.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا لو لم تعد الوظيفة هي المستقبل أصلاً؟

العالم لا يشهد مجرد تغير في سوق العمل، بل يعيش تحولاً تاريخياً في مفهوم العمل ذاته. فقبل عقود، كانت الزراعة هي عماد الاقتصاد، ثم جاءت الثورة الصناعية فصنعت العامل والموظف، وبعدها رسخت الدولة الحديثة مفهوم الوظيفة الحكومية بوصفها الحلم الأكثر استقراراً. أما اليوم، فإن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي يعيدان رسم المشهد من جديد، بحيث لم يعد النجاح مرهوناً بالحصول على وظيفة، بل بالقدرة على صناعة فرصة.

لم يعد المكتب هو مكان العمل الوحيد، ولا الشركة هي الجهة الوحيدة التي تمنح الدخل، ولا الشهادة الجامعية وحدها هي جواز العبور إلى المستقبل. فهناك ملايين الأشخاص حول العالم يبنون أعمالهم من منازلهم، أو من مساحات عمل مشتركة، أو حتى أثناء تنقلهم بين الدول، مستفيدين من الاقتصاد الرقمي والمنصات العالمية والعمل الحر وريادة الأعمال.

وهذا لا يعني أن الوظائف ستختفي، لكنها لن تبقى النموذج الوحيد للحياة المهنية. فعدد متزايد من الشباب لم يعد ينتظر إعلاناً للتوظيف، بل يبحث عن فكرة يمكن تحويلها إلى مشروع، أو مهارة يمكن تسويقها عالمياً، أو منصة رقمية تفتح له أبواب أسواق لم يكن الوصول إليها ممكناً قبل سنوات قليلة.

لقد أصبح المبرمج في عمّان ينافس شركات في وادي السيليكون، والمصمم في القاهرة يعمل لعملاء في أوروبا، وصانع المحتوى في الرباط يخاطب جمهوراً في خمس قارات، ورائد الأعمال في الرياض يستطيع إطلاق شركة ناشئة تستقطب استثمارات دولية دون أن يغادر مدينته. لقد ألغت التكنولوجيا كثيراً من الحدود التقليدية، ووسعت مفهوم سوق العمل إلى فضاء عالمي مفتوح.

لكن السؤال الأهم ليس: كيف نجد وظائف؟ بل: هل ما زلنا نُعد أبناءنا لعالم الوظيفة، بينما هم يدخلون عالماً مختلفاً تماماً؟

لا تزال كثير من مدارسنا وجامعاتنا تخرج شباباً ينتظرون التعيين، في حين أن الاقتصاد الجديد يبحث عن المبتكر، وصاحب المبادرة، والقادر على التعلم المستمر، والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات، والتكيف مع تقنيات تتغير كل بضعة أشهر. لم تعد المعرفة وحدها كافية، بل أصبحت المرونة، والقدرة على التعلم، وإدارة الوقت، والتواصل، وحل المشكلات، عناصر لا تقل أهمية عن أي شهادة.

إن جيل ما بعد الوظيفة لا يقيس نجاحه بعدد سنوات الخدمة، ولا بحجم المكتب، ولا بالمسمى الوظيفي. إنه يقيس نجاحه بالأثر الذي يحققه، والقيمة التي يضيفها، والقدرة على تحويل فكرة صغيرة إلى مشروع مستدام. وهذا التحول لا ينبغي النظر إليه باعتباره تهديداً، بل فرصة لإطلاق طاقات الشباب وتوسيع دائرة الإنتاج والإبداع.

غير أن هذا التحول يفرض مسؤوليات جديدة على الحكومات أيضاً. فالدولة التي كانت تركز على خلق الوظائف فقط، مطالبة اليوم ببناء بيئة تحتضن المبادرات، وتيسر تأسيس الشركات، وتوفر التمويل، وتحدث التشريعات، وتحمي العاملين في الاقتصاد الرقمي، وتربط التعليم باحتياجات المستقبل لا بمتطلبات الماضي. فنجاح الشباب لم يعد مرهوناً بعدد الوظائف الشاغرة، بل بقدرة البيئة الاقتصادية على تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للنمو.

وفي المقابل، يحتاج المجتمع إلى مراجعة ثقافته تجاه النجاح. فما زال كثيرون ينظرون إلى الوظيفة الحكومية باعتبارها ذروة الاستقرار، بينما ينظرون إلى الريادة والعمل الحر بوصفهما مغامرة غير مضمونة. هذه النظرة كانت مفهومة في زمن مضى، لكنها لم تعد تعكس واقع الاقتصاد العالمي الذي يكافئ المبادرة أكثر مما يكافئ الانتظار.

ويبقى التحول الحقيقي في طريقة التفكير. فالسؤال الذي يجب أن نطرحه على أبنائنا لم يعد: “في أي مؤسسة ستعمل؟”، بل: “ما القيمة التي تستطيع أن تقدمها؟”. فالقيمة هي التي تصنع الفرصة، والمهارة هي التي تفتح الأسواق، والإبداع هو الذي يمنح صاحبه القدرة على المنافسة في عالم لا يعترف بالحدود.

إن جيل ما بعد الوظيفة لا يرفض العمل، بل يعيد تعريفه. ولا يهرب من المسؤولية، بل يبحث عن مساحة أوسع للابتكار وصناعة الأثر. ومن يدرك هذا التحول مبكراً، سيجد نفسه شريكاً في اقتصاد المستقبل، لا متفرجاً عليه.

وربما يكون التحدي الأكبر أمام عالمنا العربي هو أن يتوقف عن إعداد الشباب لوظائف قد لا توجد بعد سنوات، وأن يبدأ بإعدادهم لابتكار الوظائف، وصناعة المشاريع، وقيادة الاقتصاد الجديد. فالمستقبل لن يكون لمن ينتظر فرصة عمل، بل لمن يخلقها، ويحسن تطويرها، ويحولها إلى قيمة مضافة لمجتمعه ووطنه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :