facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التهيئة النفسية للطفل للانتقال إلى المدرسة


آية عويدي العبادي
31-08-2026 08:56 AM

قد تبدو لحظة انتقال الطفل إلى المدرسة، ولا سيما عند التحاقه بالصف الأول، حدثًا بسيطًا يقتصر على حقيبة جديدة، وملابس مدرسية، وكتب وأقلام، وصورة تلتقطها الأسرة أمام بوابة المدرسة؛ غير أن خلف هذه التفاصيل الجميلة رحلة نفسية مهمة؛ إذ ينتقل الطفل من بيئة اعتاد فيها على والديه وبيته وروتينه اليومي إلى عالم جديد يضم أشخاصًا جددًا، وقواعد مختلفة، وتجارب لم يعتد عليها من قبل؛ وقد تمثل هذه المرحلة إحدى أولى التجارب التي يشعر فيها الطفل بمسؤوليات يومية جديدة.

لذلك، فإن تهيئة الطفل للمدرسة لا تبدأ بشراء الحقيبة أو تعليمه الحروف والأرقام فحسب، بل تبدأ من داخله؛ من شعوره بالأمان، وثقته بقدرته على التعامل مع البيئة الجديدة، وقدرته على التعبير عن مشاعره عند الحاجة.

في علم النفس التربوي، يُنظر إلى الاستعداد المدرسي بوصفه عملية متكاملة ومتعددة الجوانب؛ فهو لا يقتصر على الجانب المعرفي، بل يشمل النمو الانفعالي والاجتماعي والسلوكي واللغوي أيضًا؛ فقد يعرف الطفل اسمه وحروفه وأرقامه، لكنه قد يحتاج إلى مزيد من الدعم في المدرسة إذا كان يواجه صعوبة في التعبير عن مشاعره، أو يشعر بالقلق عند الابتعاد عن أسرته، أو يجد صعوبة في تقبل الخطأ، أو يحتاج إلى مساعدة في بعض تفاصيل حياته اليومية.

ومن المواقف التي قد تظهر في بداية المرحلة المدرسية قلق الانفصال؛ فقد يبكي بعض الأطفال عند مغادرة الأم، أو يترددون في دخول الصف، وقد تظهر لدى بعضهم شكاوى مثل ألم البطن أو الصداع؛ وقد تكون هذه الاستجابات تعبيرًا عن مشاعر جديدة يمر بها الطفل، وربما لا يمتلك بعد الكلمات الكافية لوصفها أو التعبير عنها.

وهنا يأتي دور الأسرة بصورة أساسية؛ فالطفل يتأثر بمشاعر والديه ونظرتهما إلى المدرسة حتى قبل أن يعيش التجربة بنفسه؛ وعندما يسمع أن المدرسة مكان للعقاب، أو أن المعلم شخص ينبغي الخوف منه، فقد تتكون لديه صورة مقلقة عن التجربة؛ أما عندما نتحدث معه بصدق وطمأنينة عن المدرسة، ونخبره بأنه قد يشعر ببعض الخوف أو التردد في البداية، وأن هذه المشاعر طبيعية، وأنه يستطيع التحدث مع معلمه ووالديه عندما يحتاج إلى المساعدة، فإننا نمنحه شعورًا بالثقة والدعم يساعده على التكيف.

ومن المهم أيضًا ألا تتحول الأيام التي تسبق بدء المدرسة إلى مرحلة من الضغط المستمر لإثبات مقدار ما يعرفه الطفل؛ فالإفراط في مطالب القراءة والكتابة والحساب قد يجعله يشعر بأن المدرسة مرتبطة بالاختبار والخوف من الخطأ، في حين يحتاج في هذه المرحلة إلى بناء علاقة آمنة ومطمئنة مع التعلم.

ويحتاج الطفل كذلك إلى قدر مناسب من الاستقلالية؛ كأن يحاول ترتيب أغراضه، ويحافظ على أدواته، ويتناول طعامه، وينظم احتياجاته اليومية، مع تقديم مساعدة عند الحاجة؛ وقد تبدو هذه المهارات بسيطة في نظر الكبار، لكنها تمثل بالنسبة إلى الطفل خطوات مهمة تعزز شعوره بقدرته على تحمل بعض مسؤولياته بنفسه.

كما يحتاج الطفل إلى إدراك أن الخطأ جزء طبيعي من عملية التعلم؛ فالمدرسة مساحة للتجربة والمحاولة واكتساب المهارات؛ ومن الطبيعي أن يقدم إجابة غير صحيحة، أو ينسى شيئًا، أو يحتاج إلى إعادة المحاولة؛ وتساعد الطريقة التي تتعامل بها الأسرة مع أخطائه في المنزل على بناء نظرة أكثر تقبلًا لأخطائه عند بدء المدرسة.

ولا يقل الجانب الاجتماعي أهمية عن الجانب الأكاديمي؛ فالطفل سيلتقي بأطفال آخرين، وقد يمر بمواقف جديدة لا يعرف في البداية كيفية التعامل معها؛ لذلك، من المفيد أن يتعلم المشاركة، وانتظار دوره، والتعبير عن رفضه بطريقة مناسبة، وطلب المساعدة عندما يشعر بالانزعاج.

ومن الأمور التي قد تؤثر في مشاعر الطفل أيضًا المقارنة؛ فعندما نقول له إن طفلًا آخر لا يبكي، أو إن زميله يعرف أكثر منه، فقد يشعر بأنه أقل قدرة من الآخرين؛ والأطفال لا يبدأون المدرسة بالاستعداد النفسي نفسه؛ فلكل طفل شخصيته وسرعته الخاصة في التكيف؛ ومن المهم منحه الوقت الذي يحتاج إليه، ومرافقته خلال هذه المرحلة بما يتناسب مع حالته.

إن التهيئة النفسية للمدرسة لا تعني مطالبة الطفل بألا يخاف، ولا توقع أن يكون قويًا طوال الوقت؛ بل تعني مساعدته على فهم مشاعره والتعبير عنها، وتعليمه أن طلب المساعدة أمر طبيعي، وإدراكه أن التجارب الجديدة تحتاج أحيانًا إلى بعض الوقت حتى تصبح مألوفة ومريحة.

وفي النهاية، فإن أول ما يحتاج إليه الطفل عند عبور بوابة المدرسة ليس أن يكون الأكثر معرفة، بل أن يشعر بالأمان، وأن يجد من يستمع إليه ويفهم مشاعره، وأن يعرف أن الخطأ لا ينتقص من قيمته، وأن التعلم رحلة يمكنه خوضها خطوة بعد خطوة.

فالمدرسة لا تبدأ من الكتاب المدرسي وحده، بل تبدأ من العلاقة التي نبنيها في نفس الطفل مع التعلم، ومع ذاته، ومع العالم من حوله؛ وكلما دخل الطفل المدرسة وهو يحمل قدرًا من الأمان والثقة، ويشعر بوجود من يسانده ويفهمه، كان أكثر قدرة على استقبال هذه التجربة الجديدة والانفتاح على التعلم والنمو.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :