في ظل رهان القوة .. الى اين تذهب الاسواق العالمية؟!
لما جمال العبسه
27-09-2026 06:34 PM
اصبح اللا منطق هو المتحكم في مشهد الاقتصاد العالمي خاصة في اسواق النفط والغاز التي لم تعد حركتها محكومة بديناميكيات العرض والطلب التقليدية بقدر ما أضحت رهينة لتقلبات الإرادة السياسية ولعبة النفوذ الجيوسياسي، ولا أدل من التصعيد الأمريكي المتزايد تجاه ايران، والذي كان اخره رفض الرئيس الامريكي دونالد ترامب لعرض طهران للتهدئة وبدء العملية التفاوضية لانهاء الحرب التي بدأتها واشنطن، واكثر من ذلك نشر ترامب مباشرة لخريطة على منصة "تروث سوشال" تسمي مضيق هرمز بـ "مضيق ترمب"، وزيادة عاد ليقول ان الضربة العسكرية على ايران ستستأنف بعد الانتخابات النصفية في امريكا، اي رغبة مشددة من قبل الرئيس الامريكي لفرض واقع سياسي جديد تُمسك فيه واشنطن بكامل مفاتيح الممر البحري الذي بات الأهم عالمياً.
في اطار هذا التشدد الذي تتداخل فيه الحسابات السياسية الخارجية مع استحقاقات الانتخابات النصفية الأمريكية، ويتجاوز حدود الخطاب الاستعراضي؛ يوضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار يُعيد رسم خريطة المخاطر في هيكل الطاقة الدولي، خاصة ان المضيق يمثل احد الشريان الرئيسية لإمدادات خمس النفط العالمي وربع تجارة الغاز الطبيعي المسال، وإن التلميح بالسيطرة عليه أو إعادة تسميته رمزياً يعكس تحولاً من استراتيجية الردع التقليدية إلى فرض السيطرة العملية، وهو ما أحدث صدمة فورية في أسواق المشتقات والعقود الآجلة.
ولابد هنا ان نذكر ان التهديد العسكري القادم بحسب ترامب انعكس فوراًعلى تكاليف الشحن البحري ورسوم التأمين ضد مخاطر الحرب، وبالطبع أصبحت الأسواق تُسجّل مستويات سعرية مرتفعة لا تعبر عن نقص فعلي في الإنتاج بقدر ما تعكس المخاوف من تعطل الشرايين الإمدادية في أي لحظة.
وهنا تجد أسواق النفط والغاز نفسها أمام امرين أحلاهما مرّ، حيث سيتوقف الاتجاه القادم على طبيعة التحركات السياسية والعسكرية عقب الانتخابات، فالأمر الأول هو استمرار التصعيد اي انه في حال اتجاه واشنطن نحو عمل عسكري مباشر أو فرض حصار شامل، سيحاول النفط اختبارات حاجز صعودي جديد خاصة انه انهى تعاملات الاسبوع الماضي عند 104.91 دولاراً للبرميل، أما أسواق الغاز الطبيعي المسال، فستواجه صدمة عرض قاسية تدفع الأسعار الفورية في آسيا إلى مستويات 28 - 35 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu)، وفي أوروبا إلى 25 - 32 دولاراً.
اما الاحتمال الثاني سيرتكز على ما يمكن تسميته بإنفراج مشروط، ففي حال التوصل إلى اتفاق أولي يقضي بضمان حرية الملاحة، وقد تتراجع أسعار النفط لتبقى دون 90 دولاراً للبرميل، مع انخفاض الغاز المسال إلى حدود 20 - 22 دولاراً، غير أن هذا التراجع لا يعني العودة إلى الاستقرار الكامل، بل ستبقي الأسواق على قدر من الحذر الاحترازي.
في المقابل، نجد تأثير النهج الترمبي لا يقف عند عند حدود ارتفاع الفاتورة النفطية، بل يتعداه إلى ظاهرة اقتصادية حادة وهي تدمير الطلب، والتي تظهر آثارها بالأرقام الملموسة بين القوى الاقتصادية الكبرى والدول المستوردة، فعلى سبيل المثال لم تعد الصين تبحث عن حماية وارداتها النفطية فقط، بل أسرعت للتحول نحو انواع الطاقة الأخرى، وبذلك نجحت في استبدال ما بين 1.2 و1.4 مليون برميل من النفط ومشتقاته يومياً اي ما يعادل نحو 12% من إجمالي واردات الصين من النفط الخام بطاقة نظيفة، مما يؤكد أن ارتفاع الأسعار يُسرّع تراجع الطلب الصيني البنيوي بشكل دائم بدلاً من تجدده.
المشهد الراهن يؤكد أن النفط والغاز لم يعودا مجرد سلع أولية تخضع لقوانين العرض والطلب، بل تحولا إلى أدوات ضغط جيوسياسي تُستغل لفرض معادلات القوة، وتمادي ادارة البيت الأبيض في فرض هزيمة على طهران بأي ثمن سيضاعف الازمات العالمية وسيدخل الاقتصاد العالمي في حالة من الركود التضخمي التي لازالت ضمن المخاطر المحتمل وقوعها بسرعة .