القاضي تغريد حكمت .. حين تصبح العدالة سيرة وطن
السفير د. موفق العجلوني
07-10-2026 10:55 AM
عندما تكتب القاضي الدولي الاستاذة تغريد حكمت عن ست سنوات قضتها عضواً في المحكمة الدستورية الأردنية، فإننا لا نقرأ مجرد تأملات لقاضي تغادر موقعاً رفيعاً، وإنما نقرأ شهادة إنسانية وقانونية عن رحلة امتدت لعقود، وتقاطعت فيها مسيرة سيدة أردنية مع مسيرة القضاء الأردني وتطور مفهوم دولة القانون والمؤسسات في المملكة.
وقد استوقفتني، بصورة خاصة، كلماتها المنشورة في Jordan News، لأنها تعيدني إلى سلسلة المقالات التي كتبتها عنها في عدة مناسبات، والتي حاولت فيها أن أتتبع هذه الشخصية الأردنية الاستثنائية من أكثر من زاوية: القاضي الدولي، والقاضي الدستوري، والإنسانة، وصاحبة التجربة القانونية والخلق الكريم و الادب الجم التي لم تتوقف عند حدود قاعة المحكمة.
في مقال سابق كتبت عن « تغريد حكمت في قفص القضاء الإلكتروني »، وتوقفت عند عبارتها العميقة بأن العدالة على الأرض نسبية وقابلة للخطأ والصواب، وأن فقدان الثقة بالقضاء يعني الانتقال من عالم تسوده قوة القانون إلى عالم يسوده قانون القوة.
واليوم، بعد تجربتها في المحكمة الدستورية، تبدو تلك العبارة أكثر عمقاً؛ فالعدالة بالنسبة إلى القاضي تغريد حكمت لم تكن وظيفة، وإنما كانت مشروع حياة.
تروي القاضي حكمت في مقالها أنها عندما عُينت عام 1996 أول امرأة قاضي في الأردن، لم يكن الجميع مرحباً بهذه الخطوة، وأن بعض الأصوات كانت تتساءل إن كانت المرأة تستطيع أن تجلس على منصة القضاء، ولا سيما في القضايا الجزائية.
لكنها لم تدخل في سجال طويل مع تلك الأصوات. أجابت بالعمل، وهنا تكمن واحدة من أهم دلالات تجربتها.
فالمرأة التي دخلت القضاء لأول مرة لم تكن تطالب بامتياز لأنها امرأة، بل كانت تطالب بحقها في أن تُقاس بالكفاءة نفسها التي يُقاس بها الرجل. ولذلك فإن وصول النساء اليوم إلى مواقع قضائية متعددة ليس قصة امرأة واحدة، وإنما نتيجة تراكم أجيال من النساء اللواتي أثبتن أن العدالة لا جنس لها.
وقد سبق أن توقفت في كتابات منشورة سابقاً عند هذه التجربة، خصوصاً عند انتقال القاضي تغريد حكمت من القضاء الوطني إلى القضاء الجنائي الدولي، ثم ترؤسها إحدى هيئات المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، وما حملته تلك التجربة من حضور أردني وعربي في واحد من أكثر الملفات القانونية والإنسانية قسوة في العصر الحديث.
ربما كان أهم ما تركته رواندا في وجدان القاضي تغريد حكمت أنها عاشت بنفسها معنى انهيار دولة القانون. هناك، لم تكن القضية مجرد نصوص قانونية أو مرافعات أو أحكام؛ كانت القضية إنساناً فقد أمنه، ومجتمعاً فقد توازنه، وأطفالاً ونساءً دفعوا الثمن الأكبر عندما انهارت المؤسسات.
ولهذا فإن حديثها اليوم عن استقلال القضاء وسيادة القانون ليس حديثاً نظرياً. إنه حديث قاضي رأت ماذا يحدث عندما تتراجع المؤسسات، وحين يصبح القانون عاجزاً عن حماية الإنسان. ومن هنا أفهم إصرارها الدائم على أن القضاء ليس ترفاً من ترف الدول المتقدمة، وإنما هو أحد الأعمدة التي تقوم عليها الدولة الحديثة.
ومن المحطات التي تجعل تجربة القاضي تغريد حكمت مختلفة أنها لم تبقَ في موقع تطبيق القانون. فقد انتقلت إلى مجلس الأعيان، حيث رأت القانون من الجانب التشريعي والسياسي، ثم إلى المحكمة الدستورية، حيث أصبح السؤال أكبر: ليس فقط كيف نطبق القانون، وإنما هل يتوافق القانون نفسه مع الدستور؟ وهذه النقلة تفسر كثيراً مما كتبته القاضي حكمت في السنوات الماضية.
وفي مقالي «المحكمة الدستورية وقوة القانون مع القاضي تغريد حكمت»، المنشور في عمون الغراء قبل عامين ، توقفت عند رؤيتها للمحكمة الدستورية باعتبارها خطوة متقدمة في حماية الدستور وتعزيز الفصل بين السلطات وصون الحقوق والحريات.
كما تناولت في مقال آخر اهتمامها المبكر بالقضاء الإلكتروني، ثم تطور اهتمامها إلى علاقة الذكاء الاصطناعي بالقضاء. وهذا جانب مهم في شخصيتها: أنها لا تنظر إلى القضاء باعتباره مؤسسة تعيش في الماضي، وإنما باعتباره مؤسسة مطالبة بأن تستوعب المستقبل.
وقد كتبت عن مشاركتها في مؤتمر جامعة اليرموك حول الذكاء الاصطناعي والقضاء، وكيف شددت على ضرورة تحقيق التوازن بين التطور التكنولوجي والأخلاقيات في استخدام التكنولوجيا داخل المنظومة القضائية.
عندما أصبحت القاضي تغريد حكمت أول امرأة عضواً في المحكمة الدستورية عام 2020، بدا الأمر وكأنه محطة جديدة في رحلة بدأت قبل ذلك بأكثر من عقدين. وفي عام 1996 دخلت منصة القضاء كامرأة في مواجهة سؤال: هل تصلح المرأة للقضاء؟ وفي المحكمة الجنائية الدولية في رواندا أصبحت المرأة الأردنية والعربية جزءاً من منظومة العدالة الجنائية الدولية.
وفي مجلس الأعيان اختبرت صناعة التشريع. وفي المحكمة الدستورية وصلت إلى الموقع الذي يضع الدستور في قلب العمل القضائي ، وهكذا اكتملت الدائرة:
محامية، فقاضية، فقاضية دولية، فمشرعة، فقاضية دستورية. ولهذا فإن خروجها من المحكمة الدستورية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية لدورها، بل انتقالاً من موقع رسمي إلى مساحة أوسع من الخبرة والتأثير.
ان أكثر ما يعجبني في المقال الذي كتبته القاضي حكمت في Jordan News انها لا تتحدث عن نفسها باعتبارها صاحبة إنجاز شخصي فقط. إنها تنظر إلى ما حدث باعتباره جزءاً من مسار وطني.
فعندما تتحدث عن ارتفاع حضور المرأة في القضاء، وعن دخول المرأة إلى مواقع صنع القرار، وعن ضرورة انتقال المرأة من مجرد الحضور إلى القيادة، فإنها تتحدث عن جيل جديد يجب أن يجد الطريق أكثر سهولة مما كان عليه بالنسبة إلى الجيل الأول.
وهذه ربما تكون أعظم نتيجة لأي تجربة ريادية أن يصبح ما كان استثناءً أمراً طبيعياً. الفتاة الأردنية التي ترى اليوم امرأة على منصة القضاء لا تسأل بالضرورة السؤال الذي كان مطروحاً عام 1996: هل تستطيع المرأة أن تكون قاضياً ؟ لقد أصبح السؤال مختلفاً: إلى أي مدى تستطيع أن تصل ؟
في كتاباتها ومداخلاتها، وكذلك في مسيرتها العملية، تعود القاضي تغريد حكمت دائماً إلى مفهوم سيادة القانون. وهذا يتقاطع بوضوح مع مسار الإصلاح الدستوري والسياسي في الأردن، ومع الأوراق النقاشية الملكية التي تناولت دولة القانون والدولة المدنية والمواطنة وسيادة القانون والمؤسسات.
لكن قيمة هذه المفاهيم لا تقاس بعدد مرات ترديدها. تظهر قيمتها الحقيقية عندما يشعر المواطن بأن القانون يحميه، وأن القضاء متاح له، وأن الحقوق ليست امتيازاً لفئة دون أخرى.
ولهذا كان لافتاً أن تختم القاضية حكمت مقالها برسالة إلى الشابات الأردنيات، تدعوهن فيها إلى دخول الأبواب التي فُتحت أمامهن بالكفاءة والنزاهة والشجاعة، وإلى إبقاء هذه الأبواب مفتوحة أمام من يأتي بعدهن.
كنت قد كتبت سابقاً أن «تغريد» حكمت ليست مجرد اسم، وإنما تكاد تكون عنواناً لمنظومة من الحكمة والخبرة والتجربة. فقد كَتَبَتْ عن «القضاء علم وفن وفهم»، وعن القضاء الإلكتروني، وعن المحكمة الدستورية، وعن الذكاء الاصطناعي والقضاء. وهذه ليست موضوعات متفرقة، بل حلقات في رؤية واحدة: كيف يبقى القضاء وفياً للعدالة، وقادراً في الوقت نفسه على مواكبة الزمن؟
ومن هنا فإن مقال القاضي الأستاذة تغريد حكمت في" Jordan News " يبدو لي أقرب إلى وصية مهنية ووطنية منه إلى مقال وداع. فهي تقول للأجيال إن القاضي لا يكتفي بأن يعرف القانون، بل عليه أن يفهم الإنسان الذي يقف أمامه، وأن يظل قادراً على قراءة التحولات التي تطرأ على المجتمع والتكنولوجيا ومؤسسات الدولة. وتقول لهم إن هيبة القضاء لا تُصان بالماضي وحده، وإنما بالعلم والتجدد والاستقلال والنزاهة، وإن التطور الحقيقي لا يعني التخلي عن الثوابت، بل يعني امتلاك القدرة على حماية هذه الثوابت بأدوات العصر.
ولعل أجمل ما في تجربة القاضي تغريد حكمت أنها لم تنظر إلى القضاء بوصفه وظيفة تنتهي بانتهاء المنصب، وإنما رسالة تمتد آثارها إلى ما بعد القاضي نفسه. لذلك يبقى ما كتبته، وما مارسته، وما دافعت عنه من قيم، جزءاً من الذاكرة القضائية الأردنية والعربية، وشهادة على أن المرأة العربية حين تصل إلى مواقع الريادة في القضاء لا تكتفي بإثبات حضورها، بل تستطيع أن تضيف إلى التجربة القضائية فكراً ورؤيةً وإرثاً مهنياً.
وهكذا، فإن الحديث عن القاضي تغريد حكمت ليس استعادةً لسيرة شخصية فحسب، بل استعادة لسؤال أكبر: أي قضاء نريد للأجيال القادمة؟ قضاء يحفظ النص، أم قضاء يفهم غايته؟ قضاء يكتفي بتطبيق القانون، أم قضاء يجعل من العدالة جوهر القانون وروحه؟ وربما كانت الإجابة التي تركتها لنا القاضي تغريد حكمت في تجربتها وكتاباتها واضحة: أن القضاء الذي يستحق ثقة الناس هو القضاء الذي يجمع العلم بالحكمة، والقانون بالإنسان، والتقاليد بالتجديد.
لهذا، لا أرى في مقالها وداعاً بقدر ما أراه انتقالاً من الكلام عن التجربة إلى تسليمها للأجيال؛ وكأنها تقول لكل من يأتي بعدها: لقد كان لنا زمننا ومسؤوليتنا، والآن جاء دوركم لتكملوا الطريق. وهذه، في تقديري، هي القيمة الأعمق في إرث القاضي تغريد حكمت: أن تترك وراءها أسئلةً تستحق أن تبقى مفتوحة، وأجيالاً تستحق أن تحمل الأمانة، وإيماناً بأن العدالة ليست نصاً يُتلى، وإنما مسؤولية تُعاش.
المدير العام لـِ مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me