حمود الكرك .. تشريح الوجع واستحقاق المواجهة المتكاملة
المحامي معن عبداللطيف العواملة
26-10-2026 01:23 PM
حين تدوي رصاصات الغدر في قرية هادئة كحمود في الكرك، تتجاوز الجريمة حدود استهداف نقطة جغرافية أو محاولة لزعزعة استقرار أمني، إنها إعلان صارخ بأننا أمام ورم خبيث لا يكفي معه التسكين أو الاكتفاء بالبتر الموضعي.
يدرك الأردنيون يقيناً أن من يقوم بهكذا اعمال هم موتورون مجرمون، تجردوا من أبسط معاني الوطنية والعروبية، وانسلخوا عن جوهر الدين الحنيف.
ورغم أن مؤسساتنا الأمنية والعسكرية تثبت عند كل منعطف كفاءتها وجاهزيتها العالية وبسالتها المشهودة، إلا أن الحقيقة التي لا تحتمل المجاملة هي أن الحل الأمني يملك سقفاً محدداً. إذ لا يمكن لنا امنيا فقط أن نصنع سلاماً مستداماً في مواجهة هذا الوباء الفكري. ان علينا مكافحة الارهاب، و ليس الاكتفاء بمحاربة الارهابيين.
ولعل استهداف حمود بالذات يحمل دلالة رمزية بالغة الحساسية. فهذه البلدة الكركية العريقة لم تكن يوماً مجرد نقطة على الخريطة، بل مثلت تاريخياً أيقونة وطنية للتآخي الإسلامي-المسيحي الراسخ، ومنارة مبكرة للتعليم والوعي، ورافعة سياسية وحزبية أسهم رجالاتها بكفاءة في تأسيس أركان الدولة الأردنية. حمود خرجت سياسيين و مناضلين من اجل دولة الحرية و المدنية.
ولذلك فإن محاولة معاقبة هذا الإرث الحضاري والنموذج الحي للمواطنة تكشف بوضوح عن اهداف الفكر الظلامي وسعيه لاغتيال أنصع التجارب في وطننا.
لقد وضع جلالة الملك عبد الله الثاني يده على الجرح بتأكيده الصريح عقب الأحداث الإرهابية على ضرورة وجود سياسة وطنية حازمة وشاملة لمكافحة الفكر الإرهابي وتجفيف حواضنه.
ترسم هذه الدعوة ملامح المعركة الوجودية التي تتطلب شجاعة استثنائية للاعتراف بأن هناك بيئات وحواضن اجتماعية وثقافية تمنح هذا الفكر المضلل فرصة للتنفس والانتشار.
إن الحتمية الوطنية تقتضي أن نعترف بأن الأفكار المتطرفة تتسلل بين ظهرانينا بأشكال أخطر وأعمق مما نظن، ما يجعل من التسامح معها تهديدا بنيويا.
إن تشخيص الواقع الراهن يفرض علينا طرح اسئلة حرجة. كيف يتحول شبابنا إلى لقمة سائغة للتنظيمات الظلامية وماكينات موت تسترخص الدماء؟ ماذا نزرع في عقول الناشئة، وبأي خطاب نملأ فراغهم الروحي والفكري؟
من المؤسف أننا لعقود تركنا الساحة لأصحاب خطابات الغلو، وتساهلنا مع فتاوى الدم والمظلومية الوهمية التي يروجها أدعياء المعرفة الدينية، بما فيهم الدعاة الجدد الذين يلبسون ثوب العصر، بينما هم كغيرهم غارقون في الاوهام، ومنهم من من يتردد في إدانة القتلة، أو يرفض استخدام لفظ شهداء بدعوى التحري و التوثق، و ما هو ابعد من ذلك.
إن استشراف المستقبل وحماية الأردن في هذه اللحظة الإقليمية والدولية الفارقة يستوجبان إطلاق استراتيجية وطنية متكاملة تكون الجاهزية الأمنية احد اعمدتها، لكنها تستند بالضرورة إلى محاور ثقافية، وتعليمية، وسياسية تعيد بناء الوعي الجمعي.
لم يعد مقبولاً أن تقتصر السياسات على الإدانات التقليدية والتصريحات الإنشائية.
نحن بحاجة ماسة إلى مراجعة مناهجنا ومنصاتنا الإعلامية ومنابرنا التوجيهية لغرس قيم المواطنة والدولة المدنية الحديثة القائمة على سيادة القانون و المساواة امامه، و ضمان تكافؤ الفرص.
و لنكن اكثر صراحة، علينا تجريم خطاب الكراهية الذي يغذّي منابع الإرهاب الفكري ويمهد لانتشار التطرف والعنف .
التقدم المطلوب هو للعلم و المعرفة و التجارب الحياتية الواقعية.
علينا ابراز خبراء التعليم و علماء النفس و الفلسفة، و غيرهم، من الذين يستمدون شرعيتهم من المنهجية العلمية و القراءة الواقعية للاحداث.
وخلاصة القول، فعلى مرحلة ما بعد "حمود الكرك" ان تجب ما قبلها. فالأردن الذي بنى مجده على قوة الحق ورسالة الاعتدال لن يسمح لفكر ارهابي عنصري أن يحيده عن مسيرته الوطنية المدنية.
لقد حان وقت التجديد والمواجهة الصريحة لاستئصال الفكر التدميري من جذوره، وإعادة الاعتبار للمقاصد العليا لرسالتنا الإنسانية.
المواجهة اليوم لم تعد خياراً مؤجلاً، بل استحقاقاً حاسماً لحماية حاضر الوطن ومستقبل أجياله. المواجهة المطلوبة متكاملة، اضلعها التجربة المعرفية العلمية، والسياسات العامة الرشيدة، و اليقظة الامنية.
رحم الله الشهداء.