facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





أثر الفراشة


مالك العثامنة
21-03-2008 02:00 AM

هناك رجل اسمه ديفيد ليسر، يلبس كل يوم، بذلة أنيقة وجديدة، ويعيش كما يعمل في هيوستن-تكساس، مدينة المال والنفط في الولايات المتحدة، وهو أيضا رئيس مجلس إدارة شركة هاليبرتون العملاقة، في مجال عمليات الخدمات النفطية والإنشاءات الضخمة حول العالم.
ليسر هذا، أهم من ديك تشيني نائب الرئيس، فتشيني كان نائبا له قبل أن يكون نائبا للرئيس الأمريكي، وربما يعود ليعمل لدى ليسر مرة أخرى.
سنفترض الآتي:
(المشهد الأول)
ليسر، في ظهيرة يوم صيفي رطب من أيام هيوستن اللزجة، يتناول طعام الغذاء في نادي الغولف المخصص لأعضاء ذوي امتيازات خاصة (أثرياء جدا يعني)، ورفاقه على الغذاء جنرال متقاعد وأحد زعماء رابطة المحاربين القدامى، وعضو مجلس إدارة إحدى شركات صناعة السلاح(أكبر لوبي فعلي في واشنطن)، وعلى المائدة أيضا سناتور (غالبا جمهوري فنحن في تكساس)، وهذا السناتور يعشق موقعه ويرغب بشدة أن يتم انتخابه مرة أخرى، مما يعني حملات جديدة وتمويل ضخم!! على المائدة أيضا، وبدعوة من ليسر تشمل تذكرة الطيران من نيويورك، أحد منتجي الأخبار في شبكة فوكس واسعة الانتشار، وربما أيضا دعوة أخرى لصحفي من واشنطن تايمز اليومية المحافظة جدا.
غذاء قد يمتد لساعتين، ليس لأن المائدة حافلة بما لذ وطاب فحسب، بل لأن الحديث ذو شجون، وينتهي باتفاق يخلص ليسر من قلقه حول وضع الأسهم في البورصة، وربما تحمل هاليبرتون خسائر قد تزعج مجلس إدارتها المكون من رجال لا يرغب أحد بإزعاجهم، ومجلس الإدارة هذا له مستشارون مثل كاسبر واينبرغر وزير الدفاع السابق، ويقال أن جيمس بيكر قريب من مجلس إدارة هاليبرتون، أما جورج بوش الأب، فهو صديق للجميع ليس أكثر.
انفض اجتماع الغذاء، وعاد ليسر إلى مكتبه، مع بعض السرور في داخله، أما رفاق الغذاء، فقد عاد كل إلى موقعه وعمله، فهناك الكثير مما يجب إنجازه في فترة قصيرة، واجتماعات أوسع مع جماعات أكثر..ليصير الاتفاق الذي خلص إليه غذاء ليسر في ذلك اليوم الصيفي الرطب، وبعد شهرين أو ثلاث ربما، قضية أمن وطني تواجه أمريكا..
ليسر جدا سعيد، ويحتفل على طريقته الخاصة الآن.
(المشهد الثاني)
فكرت كثيرا كثيرا في تفاصيل المشهد الثاني، خط السيناريو واحد لكن اللقطات عديدة، لا يمكن جمعها في مشهد واحد، الأماكن جغرافيا متعددة، في غزة ربما، وربما في بغداد، أحيانا في دارفور، وأرى مقديشو في الإطار أيضا، حتى على طرف الصورة، هنالك زقاق لمساكن فقراء في طهران، أما الأشخاص، ففي المشهد هم بلا هويات، تجمعهم هوية واحدة، أنهم ضحية، ويجمعهم الحزن والرعب، وفقدان الأمل ، والكثير من القهر.
كاظم في بغداد، لا معنى لحياته منذ فقد معظم اهله، ثم فقد ساقه أيضا، فقد أشياء كثيرة، من بينها وظيفته كطبيب وبيته، ثم في النهاية فقد عقله، وفجر نفسه.
حسين في غزة، مستاء، ومقهور، أطفاله الثمانية جوعى، وهو كما غزة محاصر، زوجته مريضة، وتتقاسم الدواء المنتهية صلاحيته مع والدته التي تعيش معهم، وحسين مثل كاظم، يفكر جديا بالانفجار، وبغضب.
في دارفور، عبدالعال، ينظر حوله فلا يرى إلا خيما وصحراء، وشعارات الأمم المتحدة وشوالات من الإعانة، يتذكر عبدالعال أنه قبل أعوام قليلة فقط، لم يكن هنالك شيء يوحي بالكارثة، كان يملك بيتا، وزوجة وأولادا (هم الآن في مخيم آخر)، وكان يملك مواشي وكان يحب الذهاب إلى الخرطوم، كان له أصدقاء مثل الإخوة في الخرطوم، يتذكر كل هذا فجأة، ويشعر بالقهر أيضا، مثل كاظم في بغداد وحسين في غزة، يغضب، يرتجف غضبا، يرى موفدا أمريكيا محاطا بحرس من المارينز، وكاميرات تصور الموفد وهو يمسح رؤوس الصغار، ينفجر عبدالعال أيضا.
في مقديشو، علي ابن الثلاثين، ينظف بندقيته التي قتل فيها بشرا كثيرا مؤخرا، ويسرح بخياله نحو امس قريب، حين كان طفلا في مدرسة، المدرسة فقيرة والسقف مهترئ، لكنها كانت أياما جميلة، كان ينام مرتاحا على الأقل، بلا خوف، ويحلم.
يصحو علي على صوت إطلاق نار في زقاق مقابل، يخاف كثيرا، ويغضب لأنهم قطعوا عليه حلمه، كل أحلامه المبتورة تنفجر غضبا وقهرا، يقرر أن يطلق النار أيضا.
..في طهران، هنالك فقير حال، اسمه أحمدي، لم يفهم منذ ولادته لماذا هو مذعور دوما، وأيضا لم يفهم لماذا كانوا يدفعونه نحو التظاهر والصراخ بغضب، ولم يفهم لماذا كان يشعر بالراحة كلما صرخ أكثر، رغم أنه من جهة اخرى لم يفهم معظم الشعارات التي كان يصرخ بها، كان في نومه المذعور كل ليلة، يتخيل الشيطان باللونين الأزرق والأحمر، كان كابوسا ليليا يكثف الغضب المكبوت في داخله، كان يحلم بالانفجار أيضا، كل نهاية حلم، وكل ليلة.
حتى في عمان التي حماها الله بأمنها وسلمها، وهي الوادعة كياسمينة على ضفة جدول، حتى فيها، هنالك مواطن في جبل المريخ، اسمه سعيد، وهو ليس سعيدا أبدا، يصحو مع كل فجر، كل يوم في حياته، ليجر عربة ترمس، وأحيانا عربة قهوة، لا يملك وقتا لتفقد الطقس عبر النشرة الجوية الصباحية، وبالتأكيد ليس لديه الوقت ليتابع (يوم جديد) وتمنيات التلفزيون الأردني بصباح رائع للجميع، يفقد كل تلك المتعة بالضرورة ليس لضيق وقته، بل لأن جهاز التلفزيون ترف لا يفكر حتى بحلم انتقائه، لديه ثلاث أطفال، ومدارس، وفواتير كهرباء ومياه تتصاعد يوميا(مضافا إليها ضريبة تلفزيون لايشاهده ولا يمتلكه)، وسعيد غير السعيد أبدا، مضطر إلى اللهاث في الصعود والنزول عبر تلال عمان وجغرافيتها القاسية بطبيعتها. وسعيد يكره العيد السعيد، لأنه متطلبات إضافية تقصم ظهره، يتراكم الغضب والقهر لديه يوميا.
سعيد لا يفكر بالانفجار، لكنه وحسب الطريقة الأردنية ( يفقع) حين يعود إلى حارته عصر أحد الأيام الشتوية الباردة ويرى طاقم تصوير لفيلم وثائقي، الطاقم محلي، والمنتج محلي أيضا، وهو يصورون المعاناة التي يعيشها جبل المريخ، نسيت ان أقول أن سعيد جامعي قديم، ويعرف أن معاناته ومعاناة كل حارته، ستتم مقايضتها بتمويل ما، وكل ما عليهم أن يمروا أمام الكاميرا، سعيد يشعر بالمهانة، و(يفقع).
(المشهد الثالث والأخير)
عودة إلى هيوستن- تكساس، حيث السيد ديفيد ليسر يتأنق لحفل يرعاه الرئيس الأمريكي شخصيا، الحفل في قاعدة عسكرية، والمناسبة تحية شكر لمقاتلين أبطال، دافعوا عن "حرية" ما في الشرق الأوسط،وعرفان لشبان مساكين من الجنود، فقدوا أرواحهم من أجل الواجب، وهو واجب لا يعرف أسبابه الحقيقية إلا السيد ليسر، المبتهج جدا ، ورفاق غذائه الذي افترضناه في المشهد الأول.
..هذا هو أثر الفراشة..الأثر الدموي للفراشة.

• تنويه: المقال افتراضي بحت في كل محتوياته، وأي تشابه لأحداثه مع الواقع في أي مكان على هذه الأرض، مصادفة لست أنا من يقف وراءها.
عن اللويبدة الشهرية
malikathamneh@hotmail.com




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :