facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





قواقع الأوطان وفضاءات المواطنة


مالك العثامنة
20-04-2021 06:47 PM

في كل زحام الموت والمآسي والتطرف والدم والجائحة التي تجتاح العراق، يأتيك من أقصى "النشرات" خبر يسعى.

الخبر كان عن وفاة الدكتور ظافر فؤاد إلياهو، أخصائي طب وجراحة العظام في مستشفى الواسطي ببغداد،

وهو مواطن عراقي "يهودي" وبموته، بقي يهوديان عراقيان فقط، يعيشان في البلاد "حسب الخبر".

موت الطبيب "العراقي اليهودي" كان استثنائيا رغم كل الموت متعدد الأسباب والمعلن في العراق والعالم العربي بمشرقه ومغربه، وقد أثار موته ضجيجا يتناقض مع حياته التي عاشها بهدوء شديد.

فكرت كثيرا في تناقضات حياة عاشها رجل مثل المرحوم الدكتور إلياهو، فهو على مستوى الهويات الفرعية "المهمة في مشرقنا البائس" كائن بشري على وشك الانقراض في محيط عربي إسلامي "متعدد ومتشظي" عموما.

وفي نفس الوقت، كانت الإقصائية الرسمية للدولة العراقية في تعريف هوية الرجل سببا في إنقاذه بحيلة ترادف المصطلحات والتسميات، فاليهود في العراق يتم تعريفهم في خانة الديانة في أوراقهم الرسمية تحت اسم "الموسوية"، نسبة إلى النبي العبراني موسى، ولأن "الموسوي" أيضا اسم له دلالاته الرمزية كاسم عائلة عند الشيعة تعود بنسبها إلى النبي محمد، فقد كان الطبيب الراحل في مسمى هويته "الموسوية" حاصل فرق أنبياء السماء على الأرض.

كان المجتمع الشيعي العراقي الذي لا يعرف عن "يهودية" الدكتور إلياهو رحمه الله، يفترض أنه موسوي " من العائلة الشيعية مما يؤهله لحمل لقب "سيد" كسليل لآل البيت، وهو لقب عند عموم الناس هناك يتفوق على لقب "طبيب" او أي لقب علمي أو معرفي آخر.

كثيرون أيضا - وهذا مبهج وجميل- كانوا يعرفون هوية الراحل الفرعية بالإضافة إلى هويته العراقية، لكن حياة الطبيب المليئة بقصص الخير والمحبة في حياته المهنية والمعطاءة جعلت هويته الإنسانية تتفوق على غيرها فندبه ونعاه وأبنه كثير من العراقيين في مدينته وبلده.

مرة أخرى، أفكر بتأمل شخصي في حياة طبيب يهودي عراقي لم يبق في محيطه الاجتماعي كله إلا هو وإثنين آخرين منهم شقيقته!

أي شعور "بالانقراض" يمكن أن يكون أكثر وحشة من ذلك؟ خصوصا في بلد أدمته نزاعات الطوائف والهويات الدينية والعرقية وكلها تقريبا متفقة على عداوة "اليهود" وبأحكام نصوص مقدسة. (وتمنيت - بصدق تمنيت ذلك- لو كنت أعرف الدكتور إلياهو رحمه الله لسألته: لماذا بقيت في العراق مع كل ذلك؟).

هو ذاته البلد الذي كان فيه مائتي ألف عراقي من الديانة اليهودية، ومن هؤلاء كان نخبة مجتمع وحكم، وزراء وأعيان ووجهاء وتجار وفنانون ومبدعون، فانتهى كل ذلك إلى ما نحن فيه اليوم، خبر موحش ويتيم عن طبيب يهودي يصبح موته معلنا بالأخبار لأنه آخر طبيب يهودي في العراق.

--

القصة لا تقف عند اليهود بين الأقليات الموجودة بتعدد هائل في ذلك العالم العربي "الإسلامي بغالبيته" من محيطه إلى خليجه، فالاضطهاد للأقليات كان دوما في ذلك العالم بمشرقه ومغربه عموما على مسطرة قياس واحدة، وكان توزيع الإقصائية يتم بإنصاف وعدالة، ربما كانت الأقليات اليهودية أكثر حظا بوجود مخارج آمنة للهجرة في أوروبا وأميركا وإسرائيل.

أتابع لقاءا مع الدكتور حاييم داية، وهو إسرائيلي من حلب ( يبدو التعريف هنا غريبا لكنه واقعي وحقيقي)، أتابعه وهو يتحدث بلهجته الحلبية التي أميزها، فهم أخوال ابنتي، ويتحدث الطبيب كبير السن عن رحلته كيهودي حلبي في سوريا التي غادرها مع ازدياد القبضة الأمنية والمتوحشة لنظام البعث "القومي الاشتراكي" صاحب الرسالة الخالدة "!" في أمة "عربية" واحدة، ويتحدث الدكتور داية عن وساطة جيمي كارتر السرية في عهد إدارة ريغان التي سمحت لليهود بمغادرة بيوتهم وأملاكهم والهجرة خارج "وطنهم السوري" حاملين حسب "القوانين الرسمية الاشتراكية" مبلغ ألفي دولار فقط لكل مهاجر.

فجأة تذكرت أصدقاء عرفتهم أنا شخصيا في حلب، منهم من هم في عمر الدكتور حاييم داية الذي صار إسرائيليا ولا يزال ربما يفطر "المامونية" ويرقص "عربي" على ألحان قدود مدينته الأم.

تذكرت العم "بيدروس" مثلا، الأرمني الجميل الذي حل محل والد زوجتي حين تقدمت للزواج منها. تذكرت بيته المتحفي في حلب، وغرفة مقتنياته كتاجر ومرمم "تحف وأنتيك" من بينها سيف "إسلامي" من القرن الثامن الميلادي، كان يلفه بعناية شديدة.

العم بيدروس غادر سوريا وترك بيته وأشياءه في حي العزيزية في حلب، ولا أعرف مصير البيت الجميل ولا مآلات ما فيه من تحف او ما تبقى منها. تلك خسارة فادحة، فالعم بيدروس، مثله مثل باقي الأرمن كانوا جزءا من تراث حلب الذي انتهى باللون الواحد والنكهة الواحدة، وتلك البيوت و"المتروكات" بلا شك ستنتهي خرابات او "مستوطنات" لا يحميها إلا عنوان رسمي لا معنى له يقول "أملاك الغائبين"!

--

والأرمن، مثلهم مثل الأشوريين والكلدان والأيزديين والصابئة المندائيين، والسريان الذين كانت ثقافتهم السريانية أم الهوية المسيحية المشرقية في كنيستها الأممية العالمية الأولى.

وتلك أيضا ذات معضلة الكردي في مشرقنا، الكردي الذي لا يرى فيه القومي العربي حالة تستحق الوجود ولا تحديد المصير، ولا قومية تتكامل معه إنسانيا وتكمله ثقافيا.

وهؤلاء جميعا مثل الأمازيغ في ذلك المغرب الكبير الذي نسميه "جزافا" مغرب عربي، وهو متنوع أكثر من ذلك بكثير.

الأمازيغ الذين وجدوا في حدائق باريس مثلا، مكانا لتمثال فني يرسخ مكانة الملكة ديهيا في التاريخ، وقد لفها الغياب القسري "المقدس" في بلادها التي حكمتها وامتد حكمها على الشمال الأفريقي كله. لكن روايات المنتصرين خلعت عنها لقب الملكة وسمتها بالكاهنة كتحقير لسيدة قادت مقاومة وطنية يحتفل بها الأمازيغ حتى اليوم. فمتى نحلم لو حلما بيوم قريب تكون فيه رموز الثقافة الأمازيغية تجد تكريما لها في جغرافيتها الأصيلة؟

دول ما بعد الاستقلال، دول الثورات التقدمية التي تحارب الرجعية، دول مقاومة الاستعمار، التي لا تزال مقتنعة أن سبب فشلها كله وخيباتها التاريخية بالمجموع التراكمي سببه "اتفاقيات السيدين سايكس و بيكو"! تلك الدول التي لم تستطع حماية أقلياتها من قمعها المنهجي والمنظم، سواء بأدواتها وقوانينها الرسمية الإقصائية أو بعجزها عن تأهيل مجتمعاتها لتكون مجتمعات "مواطنة"، وتلك عملية تأهيل مستحيلة لغياب مفهوم الدولة أساسا.

في أحد مقاطع الفيديو للطبيب السوري "اليهودي" الذي غادر وطنه السوري في تسعينات القرن الماضي إلى إسرائيل، يقول عن حياته الجديدة أنه لم يبذل جهدا في معادلة شهاداته الطبية السورية الصادرة باللغة العربية، فاللغة العربية لغة رسمية في "دولة" إسرائيل!!

ألا يوجع ذلك؟

(الحرة)




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :