facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التنجيم .. بين صناعة الوهم وفن التضليل!


د. جهاد يونس القديمات
27-11-2025 02:48 PM

استوقفتني امرأة في أحد الأسواق بنظرات حادة تحمل غموضا وكأنها تخفي خبرا لا يعرفه سواها، اقتربت مني بخطوات بطيئة ثم همست بصوت خافت وكأن العالم كله ينصت: أنت محسود، وهناك امرأتان فعلتا ذلك، تجمدت اطرافي للحظة، لا لأنني صدقت حديثها، بل لأن طريقتها في الكلام خلقت اضطرابا صغيرا بداخلي، سألتها بهدوء: ومن هما؟، فابتسمت ابتسامة غامضة، ونظرت الى السماء، ثم قالت: هما قريبتان منك، وأقرب مما تتخيل، بعدها تراجعت خطوة للخلف، وتمتمت بكلمات لم أفهمها، ثم ابتعدت تاركة خلفها أسئلة معلقة في مخيلتي، وتسآلت: من تكونان؟ ولماذا أنا؟ وبين الشك والفضول فكرت، لعل ما قالته مجرد محاولة لإرباك عقلي، أو ربما رسالة لا أعرف إن كانت تستحق الالتفات أم التجاهل.

مع اقتراب نهاية عام 2025 واستعداد العالم لاستقبال عام 2026، يزداد بحث الناس عن إجابات تطمئنهم حول ما ينتظرهم في السنة الجديدة، وبين كثرة الأحداث وتسارع التغيرات، يتجه البعض إلى الأبراج والتنجيم أملا في العثور على بصيص يقين وسط هذا الضباب، في هذا الوقت بالذات، يعود الحديث بقوة عن الحظ، والنجوم، والتوقعات السنوية، وكأن الكون كله حامل لرسائل شخصية لكل فرد، غير أن هذا الإقبال المتجدد على التنجيم يفتح بابا مهما للنقاش: هل ما يقال عن تأثير النجوم حقيقة تستند إلى علم، أم وهم يتكرر كل عام مع اختلاف الأرقام فقط؟، هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحا ونحن نطوي عاما مليئا بالتقلبات، ونفتح صفحة جديدة نرجو أن تكون أهدأ وأكثر وضوحا، وهنا يصبح من الضروري التوقف لحظة والتفكير بعقلانية فيما نعتمد عليه لبناء توقعاتنا، وكيف نفهم مستقبلنا بعيدا عن الأوهام.

منذ العصور الأولى، اعتاد الإنسان النظر إلى السماء بحثا عن تفسير لما يدور حوله، كان يرى القمر يتغير شكله من ليلة إلى أخرى، والنجوم تتحرك في نمط يبدو منظما، والشمس تشرق وتغرب في مواعيد ثابتة، هذه المشاهد الملهمة جعلته يعتقد أن ما يحدث فوق رأسه لا بد أن يكون له أثر مباشر في حياته، ومن هذا الاعتقاد ظهرت فكرة أن مستقبل الإنسان وحظه وطباعه قد تتأثر بمواقع الكواكب والنجوم ساعة ولادته، ومع مرور قرون طويلة، تحولت هذه الفكرة من مجرد ملاحظات بدائية إلى منظومة كاملة تسمى التنجيم، تتضمن الأبراج، وقراءة الحظ والفنجان، وتوقع المستقبل، وتحليل الشخصية، وكبرت هذه المنظومة مع الزمن حتى أصبحت تجارة واسعة وقوة إعلامية لها حضور كبير في الصحف والبرامج والمواقع الإلكترونية، مدفوعة بشغف الناس وفضولهم ورغبتهم في معرفة ما ينتظرهم في الأيام القادمة.

لكن عندما ننظر إلى أصل الفكرة بعقل هادئ ومنطقي، يتضح أنها لا تقوم على أساس علمي أو واقعي، فالنجوم التي يقال إنها تؤثر على حياة الإنسان تبعد عنا مسافات خيالية قد تصل إلى مئات السنين الضوئية، والضوء الذي نراه اليوم من هذه النجوم انطلق منها قبل أن يولد الشخص الذي يقرأ حظك اليوم بقرون طويلة، وبعض هذه النجوم ربما انفجر واختفى منذ آلاف السنين، لكن ضوءه ما يزال في الطريق إلينا، ومع ذلك، يظن البعض أن موقع نجم ربما لا وجود له الآن قادر على تحديد مزاج شخص أو نجاحه أو علاقاته هذا الأسبوع، وإذا كانت هذه النجوم ميتة أو بعيدة إلى هذا الحد، فكيف يمكن أن تؤثر في إنسان يعيش على كوكب صغير في طرف مجرة ضخمة؟، السؤال البسيط يكشف هشاشة الادعاء.

الأمر لا يتوقف عند المسافة، فالأبراج تفترض ضمنيا أن ملايين البشر الذين يولدون خلال الفترة نفسها يحملون الصفات ذاتها ويمرون بالتجارب ذاتها ويتشابهون في مصائرهم، هل يمكن أن يولد مليون شخص في نفس الشهر، في بلدان وثقافات مختلفة، يعيشون ظروفا مختلفة تماما، ثم نقول إن بينهم قاسما مشتركا يحدد شخصياتهم ومشاعرهم وقراراتهم؟، الإنسان يتشكل من تجاربه وتربيته وبيئته واختياراته وعلاقاته، لا من حركة جرم سماوي يبعد عنه ملايين الكيلومترات ولا يشعر بوجوده أصلا، ولو كان التنجيم صحيحا، لكان الناس نسخا مكررة، ولأصبح من الممكن التنبؤ بحياة الفرد بدقة بمجرد معرفة يوم ولادته، وهذا ما لم يحدث يوما في تاريخ البشرية.

رغم هذا الضعف المنطقي الواضح، يستمر الكثيرون في تصديق التنجيم والأبراج، السبب لا يتعلق بصحة الفكرة بل بطبيعة العقل البشري، الإنسان يحب التفسيرات السهلة، ويبحث دائما عن معنى للأحداث التي يمر بها، خاصة في ظل الغموض والقلق، فبدل مواجهة فكرة أن المستقبل مجهول ومتغير ويتأثر بعشرات العوامل، يلجأ البعض إلى وعود بسيطة مثل: هذا شهر الحظ، أو اليوم مناسب لاتخاذ القرارات، او توقيع عقود او للسفر والترحال، هذه الجمل تمنح شعورا مؤقتا بالراحة حتى لو كانت بلا أساس، لأنها تروي حاجة الإنسان للشعور بالسيطرة، وهنا يأتي دور ما يسمى في علم النفس تأثير فورير Forer Effect ، وهو ميل الناس لتصديق العبارات العامة جدا عندما تقدم لهم وكأنها موجهة لهم شخصيا، فعندما يقرأ الشخص جملة مثل: أنت تحب مساعدة الآخرين لكنك تشعر بالإحباط عندما لا يفهمك من حولك، يظن أنها تعبر عنه رغم أنها تنطبق على معظم البشر تقريبا، هذه العبارات تصاغ بعناية لتكون عامة بما يكفي لتناسب الجميع، ولكنها تبدو شخصية في نظر القارئ، مما يصنع الوهم بأن المنجم يعرفه.

يضاف إلى ذلك أن بعض المنجمين يصيبون في توقعاتهم، مما يعطي انطباعا خاطئا بأن لديهم علما حقيقيا، ولكن هذه الإصابة غالبا لا تتعدى الصدفة، فمن يقدم عشرات أو مئات التوقعات سيصيب بعضها بالضرورة، وبعض التوقعات تكون واسعة جدا لدرجة أنها تنطبق على أي شخص في أي زمان، مثل التوقع بوجود مفاجآت مالية، أو توتر عاطفي، أو فرص مهنية جديدة، هذه أمور تتكرر في حياة كل إنسان من حين لآخر، ولذلك يبدو كلام المنجمين دقيقا رغم أنه في الحقيقة مجرد تعميم مبهم، وهناك نوع آخر من النجاح يقوم على ذكاء اجتماعي وليس على التنجيم، حيث يقرأ المنجم لغة الجسد أو الصوت أو نوع الأسئلة، ويستنتج منها نقاطا مهمة عن الشخص، ثم يقدمها بطريقة تجعلها تبدو تنجيما بينما هي ليست كذلك.

من الناحية الدينية، التنجيم ليس مجرد فكرة خاطئة، بل قضية تحذر منها النصوص الشرعية بوضوح لأنها تتعلق بادعاء معرفة الغيب، وهو أمر خاص بالله وحده، فالغيب لا يطلع عليه بشر مهما امتلك من علم، وقد قال الله تعالى: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله، وما يشعرون أيان يبعثون)، وعندما يصدق الإنسان أن نجما أو كوكبا يحدد مصيره، يبتعد بشكل غير مباشر عن المعنى الحقيقي للتوكل والعمل، ويعلق قلبه بتفسيرات لا أصل لها، لذلك جاء التحذير منها لأنها تفسد العقيدة وتشوش قلب الإنسان، وتجعله يبحث عن راحة زائفة بدل الاعتماد على الله ثم على جهده وسعيه.

لا يقف تأثير التنجيم عند حدود الاعتقاد الفكري، بل يمتد إلى الحياة اليومية والقرارات المهمة، كثيرون يترددون في الزواج أو في دخول مشروع أو في اختيار توقيت السفر بسبب توقعات الابراج، وكأن حياتهم معلقة بكلام يكتب في بضع أسطر، وبعضهم يعاني القلق أو الخوف لأن توقعا سلبيا قيل لهم، فيعيش أسبوعه أو شهره في توتر لا يستند إلى أي حقيقة، وقد يؤدي هذا إلى تعطيل الناس عن اتخاذ خطوات مهمة في حياتهم أو الإضرار بثقتهم بأنفسهم، بل إن بعضهم يبرر أخطاءه وضعفه بقوله: طبعي هكذا لأني من احد الأبراج النارية او الهوائية، فيلغي مسؤوليته عن أفعاله ويستسلم لوهم أن طباعه مكتوبة عليه سلفا.

من جهة أخرى، يقدم العلم تفسيرا أكثر واقعية وعمقا لشخصيات البشر وسلوكهم، علم النفس الحديث، وعلم الأعصاب، وعلوم الوراثة، وعلوم البيئة الاجتماعية، كلها تؤكد أن الإنسان نتاج تفاعل معقد بين جيناته وبيئته وتجارب طفولته والأحداث التي مر بها والقرارات التي يتخذها كل يوم. ان النتائج التي توصل إليها العلم مبنية على دراسات وتجارب وملاحظات وبيانات، لا على مواقع الكواكب، ولا توجد أي دراسة علمية معتبرة تؤكد وجود علاقة بين حركة نجم يبعد آلاف الكيلومترات وبين ميل شخص ما للغضب أو الرومانسية أو النجاح، الفرق بين العلم والتنجيم يشبه الفرق بين الطبيعة والوهم، بين المعرفة الحقيقية والخيال المزيف.

لكي نفهم خطر التنجيم أكثر، يكفي أن ننظر إلى أثره على التفكير، التنجيم يجعل الإنسان يعتمد على الحظ بدل الجهد، وعلى ما يقوله منجم بدل اتخاذ قرار واع مبني على تحليل ودراسة، وهذا يعطل قدرته على النمو والتطور، الحياة الحقيقية مبنية على العمل والتعلم والتجربة، وعلى المواجهة لا على الهروب نحو التفسيرات السهلة، ان الاعتماد على التنجيم يشبه محاولة قيادة السيارة بالنظر إلى مرآة مشوشة، يعطي شعورا زائفا بالتحكم، لكنه يقود إلى نتائج مؤذية.

في النهاية، المقولة المشهورة (كذب المنجمون ولو صدقوا) ليست مجرد حكم، بل رسالة تربوية ونفسية عميقة، معناها أن المنجم قد يصيب بالصدفة، لكن قوله لا يقوم على علم، ولا ينبع من حقيقة، ولا يعتمد عليه في بناء حياة أو مستقبل، ما يبدو دقيقا اليوم ليس إلا نتيجة صدفة أو تعميم أو تأثير نفسي، أما الحقيقة فهي أن المستقبل لا يمكن معرفته مسبقا، ولكنه يصنع بالقرار والنية والعمل والتخطيط والدعاء، الإنسان ليس أسير برج ولا ضحية حركة نجم، بل قادر على تشكيل مستقبله خطوة بخطوة، فعندما يتخلى الإنسان عن وهم التنجيم، ويعود إلى المنطق والعقل والعمل، سيدرك أن حياته ليست مسارا مفروضا عليه في كل تفاصيله، بل فرصة منحه الله إياها ليعمل ويسعى ويختار ضمن مشيئته وقدره، فالمستقبل ليس لغزا تكشفه الأبراج أو الظنون، بل طريق يتشكل بين توفيق الله تعالى وخطوات الإنسان وإرادته التي يحاسب عليها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :