اختلاف الأولويات مع تقدم العمر
د. يحيا خريسات
27-01-2026 11:20 PM
في مراحل مبكرة من الحياة، ينظر الإنسان إلى العمر بوصفه رقماً قابلاً للتحدي، بل وربما للتغيير . فالشباب غالباً ما يتمنّون أن يكونوا أكبر سناً للشعور بالاستقلال، أو أصغر سناً للهروب من المسؤوليات. غير أن هذه النظرة تتبدّل تدريجياً مع مرور السنوات، ليصبح العمر ليس مجرد رقم، بل تجربة متراكمة تشكّل الوعي وتعيد ترتيب الأولويات.
مع التقدّم في العمر، تتراجع الرغبة في “تغيير العمر” لصالح الرغبة في تحسين نوعية الحياة. فبدلاً من التمنّي بالعودة إلى سنوات مضت، يبدأ الفرد بالتركيز على الصحة الجسدية والنفسية، والاستقرار الأسري، والرضا الذاتي. في هذه المرحلة، تكتسب التجربة قيمة أكبر من الس
رعة، والحكمة أهم من الاندفاع.
كما تختلف الأولويات المهنية والاجتماعية مع الزمن. ففي بدايات العمر، ينشغل الإنسان ببناء الذات، وإثبات القدرات، وتحقيق الطموح المهني. أما لاحقاً، فيميل إلى تحقيق التوازن بين العمل والحياة، وتزداد أهمية العلاقات الإنسانية العميقة على حساب العلاقات الواسعة، ويصبح الوقت مورداً ثميناً يُدار بحذر.
هذا التحوّل لا يعني تراجع الطموح، بل نضجه. فالأهداف تصبح أكثر واقعية، والنجاح يُقاس بالأثر والاستقرار لا بالمظاهر والإنجازات السريعة. وهنا يدرك الفرد أن كل مرحلة عمرية تحمل جمالها الخاص وتحدياتها المختلفة، وأن تقبّل العمر هو في جوهره تقبّل للذات.
في النهاية، فإن تغيّر اهتمام الإنسان بعمره واختلاف أولوياته مع التقدّم في السن يعكسان رحلة طبيعية من النمو النفسي والفكري. رحلة يتعلّم فيها الإنسان أن العمر لا يُقاس بالسنوات، بل بما نعيشه فيها من معنى وقيمة.