سياسة أردنية لا تراهن على المغامرة ولا تنساق خلف الاستقطاب
السفير الدكتور موفق العجلوني
03-02-2026 11:53 PM
في ضوء التصعيد الأميركي–الإيراني وتداعياته الإقليمية، يكتسب الموقف الأردني أهمية خاصة بوصفه نموذجاً لدبلوماسية دولةٍ تقع في قلب الإقليم المشتعل، وتحاول في الوقت ذاته الحفاظ على توازن دقيق بين التزاماتها الاستراتيجية وتحوطاتها السيادية.
الاتصال الهاتفي بين معالي وزير الخارجية و شوءون المغتربين أيمن الصفدي ونظيره الإيراني معالي عباس عراقجي يندرج في هذا السياق، ويعكس مقاربة أردنية واعية لتفادي الانجرار إلى منطق المحاور أو التحول إلى ساحة صراع بالوكالة.
تصريحات معالي الوزير الصفدي بأن “الأردن لن يكون ساحة حرب في أي صراع إقليمي أو منطلقاً لأي عمل عسكري ضد إيران” ليست مجرد رسالة طمأنة لطهران، بل إعلان مبدئي عن عقيدة سياسية وأمنية راسخة. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي وحساسية بيئته الداخلية، يدرك أن أي انخراط مباشر أو غير مباشر في مواجهة كبرى سيحمل كلفة عالية على استقراره وأمنه الوطني.
و هذا الموقف يستند إلى المعطيات التاليةً :
حماية السيادة الوطنية ورفض استخدام الأجواء أو الأراضي الأردنية في أي عمليات عسكرية.
الالتزام بالقانون الدولي ورفض خرق سيادة الدول، وهو خطاب متسق مع السياسة الخارجية الأردنية التقليدية.
تغليب الدبلوماسية وخفض التصعيد باعتبارهما الخيار الأقل كلفة والأكثر استدامة
في المقابل، يعكس حديث الوزير عراقجي عن الاستعداد للمفاوضات الدبلوماسية رغبة إيرانية في استثمار المناخ الإقليمي الجديد بعد حرب 2025، وما تبعها من إدراك جماعي لمحدودية الخيار العسكري. تفاعل الاردن مع هذا الخطاب لا يعني تقارباً استراتيجياً مع طهران، بقدر ما هو انفتاح دبلوماسي محسوب يهدف إلى منع سوء الفهم، وتقليل احتمالات الاحتكاك، وحماية المصالح الأردنية المباشرة.
وهنا لا يتحرك الاردن من منطلق تبنّي الرواية الإيرانية، بل من موقع الدولة الوسيطة التي ترى أن استمرار التوتر الأميركي–الإيراني يهدد أمن الإقليم بأكمله، ويضاعف من مخاطر الانفجار غير المحسوب.
الزاوية الأكثر حساسية في هذا المشهد هي كيفية إدارة الاردن لعلاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدةً . فالأردن حليف رئيسي للولايات المتحدة، تربطه بها شراكة أمنية وعسكرية واقتصادية عميقة، و في مجالات حيوية عديده . غير أن هذا التحالف لم يكن يوماً تفويضاً مفتوحاً للتخلي عن القرار الوطني المستقل.و هناك مواقف عديدة اتخذها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله .
الموقف الأردني الرافض لأن يكون منطلقاً لأي هجوم على إيران يوجّه رسالة واضحة لواشنطن مفادها أن التحالف لا يلغي السيادة، وأن استقرار الأردن هو مصلحة أميركية بقدر ما هو مصلحة أردنية. وفي الوقت ذاته، لا يتناقض هذا الموقف مع التوجه الأميركي الحالي – إلى تفضيل المسار السياسي على الخيار العسكري.
بعبارة أخرى، يلتقي الموقف الأردني مع الجناح البراغماتي داخل الإدارة الأميركية الذي يرى أن الحرب مع إيران ستفتح أبواباً يصعب إغلاقها، دون أن يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع واشنطن.
في لحظة إقليمية تتراجع فيها لغة الحسم العسكري لصالح الدبلوماسية المشروطة، و يقدّم الأردن نفسه كدولة توازن: لا تصطف مع إيران ضد الولايات المتحدة، ولا تسمح باستخدامها منصة ضد إيران، وتدعو باستمرار إلى الحوار، وخفض التصعيد، واحترام سيادة الدول.
هذا الدور يمنح الاردن هامش حركة دبلوماسي، ويعزز مكانتها كشريك موثوق لدى واشنطن، وفاعل عقلاني مقبول لدى أطراف إقليمية متباينة، في وقت تتآكل فيه قنوات التواصل المباشر بين الخصوم.
وبالتالي فإن الموقف الأردني من الأزمة الأميركية–الإيرانية، كما عكسته تصريحات معالي الوزير الصفدي والاتصال مع معالي الوزير عراقجي ، يجسد سياسة خارجية واقعية، حذرة، ومتوازنة. هي سياسة لا تراهن على المغامرة، ولا تنساق خلف الاستقطاب، بل تستثمر في الدبلوماسية كخيار دفاعي أول، وتحافظ في الوقت ذاته على عمق العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، دون التفريط بالسيادة أو الأمن الوطني. وفي إقليم تحكمه الصدمات، يبدو هذا النهج أقل صخباً، لكنه الأكثر عقلانية .
* السفير الدكتور موفق العجلوني
مدير عام مركز فرح الدولي للدراسات والابحاث الاستراتيجية.
muwaffaq@ajlouni.me