لا تتملّق كي لا تتسلّق .. فبعض القمم مبنيّة من ذُلّ
د. ثروت المعاقبة
03-02-2026 11:55 PM
لا تتملّق كي لا تتسلّق، عبارة جميلة جدًا لمن يفهمها، فليس كل صعودٍ نجاة، ولا كل ارتفاعٍ خلاص بعض القمم تُبنى من انحناءاتٍ صعبة ومتراكمة في هذه الحياة، وهناك أماكن عالية لا يستطيع الإنسان أن يقف فيها مستقيمًا، مهما بدا ثابتًا في عيون الآخرين.
في هذا الزمن المتقلب، اختلطت المعايير حتى صار التملّق يُقدَّم على أنه فطنة وذكاء، والصمت عن الخطأ حكمة.
أصبح الحقّ متهمًا بالإزعاج والفوضى، ومن يقول “لا” يُصنَّف خارج السرب، ومن يقول “نعم” يُكافأ، ولو دفع ثمن ذلك نفسه ومبادئه هكذا يُعاد تعريف النجاح، لا بما أنت عليه، بل بمدى قدرتك على الانحناء والتلوّن.
التملّق موقف ناقص في حياة كاملة، وهو اللحظة التي تتنازل فيها عن احترامك لذاتك مقابل قبولٍ مؤقّت لدى أحدهم، أو مقابل بابٍ يُفتح لك اليوم لكنه يُغلق خلفك إلى الأبد.... المتملّق لا يشعر بالخطر في البداية، لأن الذلّ لا يصرخ داخله؛ الذلّ يهمس، ويقترح، ويؤجّل الألم، حتى يبدو كأنه خيار عقلاني لا بدّ منه.
وهكذا يبدأ الإنسان الرحلة بتقزيم رأيه كي لا يُزعج، وتخفيف صوته كي لا يُقصى، وتدوير كلماته كي لا يخسر مكانه.... يتعلّم كيف يبتسم في غير موضع الابتسام، وكيف يصفّق لمن لا يشبهه، وكيف يبرّر ما كان يرفضه طوال حياته، إلى أن يأتي اليوم الذي يُطلب منه فيه أن يبتلع نفسه كاملة، فلا يشعر بالغصّة، ولا بالندم، لأنه اعتاد المشهد.
الصعود الذي لا تحمله الكفاءة ولا تحرسه القيم صعود هشّ وتافه، يشبه الوقوف على كتفيك بدل قدميك.... قد يُخيَّل إليك أنك ترى أبعد، لكنك لن تحتمل طويلًا. ومن صعد بذلّ غيره سيعيش حياته خائفًا من السقوط، لأن من بنى نفسه على الانحناء يعرف جيدًا كم هو سهل أن يُنكسر.
الهزيمة دائما موجعة، لكنها صادقة.... توقظك أحيانًا، وتعيدك إلى نفسك، وتضعك أمام الحقيقة بلا أقنعة. أمّا الذلّ، فهو هزيمة تتنكّر في ثوب النجاة؛ يُبقيك واقفًا في الظاهر، لكنه يسحب منك .. الأخطر في الذلّ أنه لا يؤلم بشكل فوري، بل يتحوّل إلى اعتياد، ثم إلى تبرير، ثم إلى قناعة تامّة، ثم إلى سلوك تمارسه على غيرك وتظن أنك قويّ ومقنع.
الكرامة اليوم اختيار يومي، ثقيل، مكلف، وغالبًا بلا تصفيق ولا أضواء.... قد تُقصى لأنك صادق أكثر مما يجب، وقد تتأخر في السباق لأنك لم تنافق، وقد تبقى في الخلف لأنك رفضت أن يكون ظهرك سلّمًا لغيرك.... لكنك، حين تعود إلى نفسك ليلًا، تجدها في انتظارك؛ ليست خائفة، ولا منكسرة، ولا محتاجة إلى تبرير.
احترام الآخر لا يعني أن تصفّق لخطئه، ولا أن تصمت عن ظلمه وبطشه.... الاحترام مساحة مشتركة يقف فيها الطرفان بكرامة.... أمّا التملّق، فهو غرفة ضيّقة يختنق فيها صاحبها وهو يبتسم، ويقنع نفسه أن ضيق المكان أمان، فلا يشعر بصدقه.
دائمًا قف حيث تستطيع النظر في المرآة دون أن تخجل، دون أن تشرح، دون أن تعتذر، ودون أن تقنع نفسك أن ما فعلته كان “ضرورة ملحّة”.... قف حيث يكون صوتك نابعًا من داخلك، ورأيك نابعًا من فكرك، وعملك نابعًا من إيمانك، حتى لو انحنى الطريق من حولك.
لا تتملّق كي لا تتسلّق، فبعض القمم لا تستحق الوصول، لأن ثمنها أن تصبح شخصًا آخر نسخة بالية، ناجحة في نظر الناس، ومفلسة في نظر نفسها.... اختر طريقًا أبطأ إن لزم الأمر، أقسى إن اضطررت، وأكثر وحدة إن كان ذلك ثمن النظافة؛ فالكرامة إن سقطت، لا يرفعها منصب، ولا يشفيها تصفيق، ولا يغفرها علوّ… مبنيّ من ذُلّ.