facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الحقّ والباطل، والحلال والحرام، في ميزان السياسة


د. عبدالحفيظ العجلوني
06-04-2026 01:25 AM

ليست المفاهيم الأخلاقية في ذاتها موضعَ إشكال؛ فالحقُّ بيِّن، والباطل بيِّن، والحلال والحرام في ميزان الشريعة واضحان في أصولهما، وإن التبس بعض فروعهما. غير أنّ الإشكال يبدأ حين تُستدعى هذه المفاهيم إلى ساحة السياسة، حيث تتداخل المصالح، وتتقاطع الإرادات، وتُعاد صياغة الأولويات تحت ضغط الواقع وموازين القوّة.

في المجال العقدي والأخلاقي، يقوم التمييز بين الحقّ والباطل على معيار ثابت: ما وافق أمر الله فهو الحق، وما خالفه فهو الباطل. وكذلك الحلال والحرام، يحددهما النصّ الشرعي ومقاصده. أمّا في العلاقات الإنسانية خارج الإطار الديني، فيغلب على هذا التمييز طابعٌ فطريّ وأخلاقي، تُوجِّهه قيم العدالة والإنصاف.

غير أنّ السياسة ليست حقلًا نظريًا خالصًا، بل هي فنّ إدارة المصالح في واقعٍ مركّب. ومن هنا وُصفت بأنها “فنّ الممكن”، أي السعي إلى تحقيق أفضل النتائج ضمن قيود الواقع، لا ضمن المُثُل المجرّدة. وهنا يبدأ التوتر الحقيقي: هل تظلّ السياسة خاضعةً للحقّ كما هو، أم يُعاد تعريف الحقّ بما يخدم الممكن والمصلحة؟

لقد شهد التاريخ الإسلامي نماذج مبكرة لهذا التداخل. ففي صلح الحديبية، قَبِلَ النبي ﷺ بشروطٍ بدت في ظاهرها مجحفة، حتى ثقل وقعها على بعض الصحابة، وفي مقدمتهم سيّدنا عمر بن الخطاب. غير أنّ ما بدا تنازلًا كان في حقيقته تقديرًا استراتيجيًا دقيقًا لمآلات الفعل؛ إذ أفضى الصلح إلى فتحٍ عظيم، تمثّل في فتح مكة، بعد أن تبدّلت موازين القوّة، واتّسع أفق الدعوة دون قتال.

وفي المقابل، يبرز موقف سيّدنا علي بن أبي طالب في قبوله التحكيم بعد معركة صِفِّين، وهو قرارٌ سياسي بالغ التعقيد، صدر حرصًا على حقن الدماء، لكنه فتح بابًا لانقسامٍ داخلي عميق، وأفضى إلى ظهور الخوارج. وهنا تتجلّى قسوة المفارقة: قرارٌ يُتّخذ بنيّة الإصلاح، فيُنتج -في واقعٍ مضطرب- آثارًا معاكسة.

ولم يخلُ التاريخ الإنساني المعاصر من هذا الإشكال. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، اتُّخذ قرار إلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي، وهو فعلٌ يثير إشكالًا أخلاقيًا بالغًا، لكنه قُدِّم سياسيًا بوصفه ضرورةً أنهت الحرب سريعًا وقلّلت -في المحصلة- كلفتها البشرية والمادية. وهنا تظهر قدرة السياسة على إعادة تأطير الفعل، وتكييف مفاهيم الضرورة والحقّ وفق حسابات النتائج.

وفي تنظيرٍ أكثر صراحة، قدّم نيكولو مكيافيلي في كتابه الأمير طرحًا يفصل بين الأخلاق والسياسة، ويُجيز للحاكم استخدام وسائل قاسية إذا اقتضت مصلحة الدولة ذلك. ورغم الجدل الذي أثاره هذا الطرح، فإنه يعكس نمطًا متكررًا في تجارب الدول، حيث تتقدّم اعتبارات البقاء على مقتضيات المُثُل.

غير أنّ هذا كلّه لا يعني أنّ السياسة مجالٌ منفلت من القيم، أو أنّها تملك شرعية تبرير كلّ شيء. ففي التجربة الإسلامية، ظلّت هناك محاولات لضبط السياسة بأخلاق الشريعة ومقاصدها، كما في سيرة سيّدنا عمر بن عبد العزيز، الذي قدّم نموذجًا لإمكان تغليب العدل، حتى حين يتعارض مع بعض المكاسب الآنية.

ولعلّ أخطر ما في هذا التداخل، ليس مجرّد اختلاف التقدير، بل قابلية السياسة -إذا تُركت بلا ضابط- لإعادة تعريف القيم نفسها، لا الاكتفاء بتأويلها.

إنّ الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود “ميزانٍ سياسي”، بل في مدى خضوع هذا الميزان لمرجعيةٍ أخلاقية عليا. فالسياسة، وإن كانت فنّ الممكن، لا يجوز أن تتحوّل إلى فنّ التبرير. والمصلحة، وإن كانت معتبرة، لا ينبغي أن تُتّخذ ذريعةً لإهدار الحقّ وتمييع الحرام.

وعليه، فالعلاقة بين الحقّ والسياسة ليست تضادًا مطلقًا، ولا تطابقًا تامًا، بل توترٌ خَلّاق يحتاج إلى فقهٍ دقيق يزن المبادئ بالعواقب، والثوابت بالمتغيّرات. فحيث غاب هذا الفقه، انقلبت السياسة أداةً لتسويغ الباطل باسم المصلحة؛ وحيث حضر، غدت وسيلةً لتحقيق الحقّ في عالمٍ لا يرحم الغافلين عن سنن الواقع، ولا يعذر المفرّطين في المبادئ.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :