صَفارَاتُ الإِنْذَارِ .. وَاسْتِجابَةُ الكَرِّ وَالفَرِّ
الدكتورة خلود السعودي
06-04-2026 07:28 PM
مُنْذُ فَتْرَةٍ لَيْسَتْ بِالبَعِيدَةِ، وَهِيَ لا تَزالُ تَتَرافَقُ مَعَ ما نَشْهَدُهُ اليَوْمَ مِنْ أَحْداثٍ تُعِيدُنا إِلى بَدَاياتِ كوفيد-19، وَكانَتْ تِلْكَ المَرَّةُ الأُولى الَّتي أَسْمَعُ وَتَسْمَعُونَ فيها صَفارَاتِ الإِنْذَارِ في بَلَدِنا الحَبيبِ.
تَتَّصِلُ بِي مُعَلِّمَةُ ابْنِي لِتُبَلِّغَني أَنَّ ابْنِي الأَصيلَ، ذي الأَرْبَعَةِ أَعْوامٍ، يُمْسِكُ بِرَأْسِهِ وَيَهُزُّهُ بِشِدَّةٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَتَحَمَّلُ صَوْتَ صَفارَاتِ الإِنْذَارِ. لِأَتَواصَلَ مَعَ مُعَلِّمَتِهِ عَبْرَ الهاتِفِ، وَأُبَلِّغَها كَيْفَ تَتَصَرَّفُ وَتُهَدِّئُ مِنْ رَوْعِهِ، وَتُشَتِّتُ انْتِباهَهُ عَنِ الصَّوْتِ، ثُمَّ تُحاوِلُ إِبْعادَهُ قَدْرَ الإِمْكانِ عَنْ مَصْدَرِ الصَّوْتِ، وَتُخاطِبُهُ بِكَلِماتٍ بَسيطَةٍ: «لا تَخَفْ، أَنا مَعَكَ». لِأُقاطِعَها: «ماما حَبيبي... اِهْدَأْ، يَلّا عُدَّ لِلعَشَرَةِ... شاطِرٌ».
بِهذِهِ الكَلِماتِ أَنْهَيْتُ مَعَ طِفْلِي الصَّغيرِ، وَأَنا مُسْتاءَةٌ وَحَزينَةٌ، وَأَعْلَمُ حَقَّ اليَقينِ أَنَّني لَسْتُ وَحْدي كَأُمٍّ، بَلْ هُنالِكَ عَشَراتُ الأُمَّهاتِ مِمَّنْ لَدَيْهِنَّ قِصَصُهُنَّ وَخِبْرَتُهُنَّ مَعَ هذَا الحَدَثِ.
في المُقابِلِ، شاهَدْنا وَسَمِعْنا مَظاهِرَ كانَتْ تَتَزامَنُ مَعَ سُقوطِ شَظايا هُنا وَهُناكَ، وَكَيْفَ يَتَراكَضُ الأَشْخاصُ، أَوْ حَتّى المُتَتَبِّعونَ مِنْ عَلى أَسْطُحِ الأَبْنِيَةِ، وَالمُراقِبونَ عَنْ كَثَبٍ، إِلى أَماكِنِ تَساقُطِها، وَلِلأَسَفِ أَغْلَبُهُمْ مِنَ الصِّغارِ الفُضوليّينَ.
صَفارَاتُ الإِنْذَارِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صَوْتٍ مُزْعِجٍ لِلصَّغيرِ وَالكَبيرِ، بَلْ قَدْ تَكونُ مُحَفِّزًا قَوِيًّا لِلْقَلَقِ وَالخَوْفِ، خاصَّةً مَعَ التَّكْرارِ. وَلا نَنْسى أَنَّ هُرْمُونَ «الكَرِّ وَالفَرِّ» يُفْرَزُ كَاسْتِجابَةٍ فِسْيولوجِيَّةٍ سَريعَةٍ يُطْلِقُها الجِسْمُ عِنْدَ مُواجَهَةِ خَطَرٍ أَوْ تَهْديدٍ، وَهُنا تَكْمُنُ خُطورَتُهُ، وَما يُرافِقُهُ مِنْ تَغْييراتٍ سَيْكوسوماتِيَّةٍ، كَارْتِفاعِ ضَغْطِ الدَّمِ (أَقَلِّها)، إِلى الجَلَطاتِ وَالسَّكْتَةِ الدِّماغِيَّةِ وَالقَلْبِيَّةِ.
وَعِنْدَ تَكْرارِ إِفْرازِهِ، سَيَبْقى الجِسْمُ في حالَةِ تَأَهُّبٍ، وَما يُرافِقُهُ مِنِ اضْطِراباتٍ في النَّوْمِ وَالأَكْلِ، وَقَلَقٍ، وَاضْطِراباتِ ما بَعْدَ الصَّدْمَةِ. كُلُّ ذلِكَ يَحْدُثُ داخِلَ أَجْسامِنا وَنَحْنُ لا نَعِي ذلِكَ.
إِنَّ الأَمْرَ يَتَطَلَّبُ تَوْعِيَةً أَكْثَرَ، وَتَكاتُفَ جَميعِ الجِهاتِ المَسْؤولَةِ، مِنْ مُديرِيَّةِ الأَمْنِ العامِّ، وَالإِعْلامِ، وَالتَّثْقيفِ في المَدارِسِ وَالجامِعاتِ، وَجَميعِ المَيادينِ، لِتَشْمَلَ جَميعَ الفِئاتِ وَالشَّرائِحِ في المُجْتَمَعِ.
اليَوْمَ، وَنَحْنُ كَأَخِصّائيّينَ وَمُرْشِدينَ، يَتَطَلَّبُ مِنّا أَنْ نَحْشُدَ جُهودَنا التَّوْعَوِيَّةَ لِلتَّعامُلِ قَبْلَ وَأَثْناءَ وَبَعْدَ الحَدَثِ، وَلِكَيْفِيَّةِ مَنْعِ وَتَقْليلِ التَّوَتُّرِ وَالِاضْطِرابِ، مِنْ خِلالِ تَعْليمِ أَبْنائِنا وَطَلَبَتِنا كَيْفِيَّةَ التَّعامُلِ بِمَهاراتٍ، تَشْمَلُ:
التَّوْعِيَةُ: فَهْمُ سَبَبِ الصَّفارَاتِ يُقَلِّلُ مِنَ الخَوْفِ.
تمارينُ التَّنَفُّسِ: لِتَهْدِئَةِ الجِهازِ العَصَبِيِّ.
الدَّعْمُ الِاجْتِماعِيُّ: التَّحَدُّثُ مَعَ الآخَرينَ يُخَفِّفُ التَّوَتُّرَ.
تَحْديدُ روتينٍ يَوْمِيٍّ: يُعيدُ الشُّعورَ بِالأَمانِ.
طَلَبُ المُساعَدَةِ: عِنْدَ اسْتِمْرارِ الأَعْراضِ.
هذَا يُسْهِمُ في تَعْزيزِ القُدْرَةِ عَلَى التَّكَيُّفِ، وَالصَّلابَةِ النَّفْسِيَّةِ كَمَهارَةٍ يَكْتَسِبُها أَبْناؤُنا وَطَلَبَتُنا مَعَ الوَقْتِ، وَخُصوصًا في البِيئاتِ المُتَأَثِّرَةِ.
حَمى اللهُ بَلَدَنا الأُرْدُنَّ في ظِلِّ جَلالَةِ المَلِكِ عَبْدِ اللهِ الثَّانِي، وَوَلِيِّ عَهْدِهِ المَيْمُونِ.